الصفحة 43 من 214

ووجه الدلالة: أن الله أثنى على من اتّبع ملة إبراهيم، واتباعه هو تقليده، وهذا يدل على جواز التقليد.

ونوقش هذا الدليل: بأن الله أمر باتباع ملة إبراهيم، وما يأمر الله به ليس من التقليد في شيء، بل هو الدليل والحجة والبرهان، إنما التقليد هو اتباع قول غير المعصوم من غير حجة، كأن يأخذ بقول رجل بعينه دون النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا دليل يصحح قوله، بل لأن فلانا قاله فقط [1] .

ويجاب عن هذه المناقشة: بأننا وإن سلمنا أن الدليل في غير محل النزاع، لكن لا نسلم تفسير التقليد بالأخذ بقول رجل بعينه دون النبي - صلى الله عليه وسلم - بل بما فسرناه سابقًا، في التعريف وهو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة.

الدليل التاسع:

قوله -عليه السلام-: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " [2] .

ووجه الدلالة: أنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن من اقتدى بواحد من الصحابة فقد اهتدى، والاقتداء بهم هو تقليدهم، وهذا يدل على جواز التقليد.

ونوقش هذا الدليل بما يأتي:

1 -أن هذا الحديث قد روي من طرق: من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، وصرح أئمة الجرح والتعديل بأنه لم يثبت شيء منها، ولم يصح منها شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [3] .

2 -ونوقش أيضًا: بأنه على فرض صحته، فإن الحديث تضمن منقبة للصحابة، ومزيّة لا توجد لغيرهم فيقتدى بهم دون من بعدهم، ولكن المقلدين لم يقلدوهم، بل

(1) - انظر الإحكام لابن حزم جـ 6 ص 801.

(2) - أخرجه رزين، انظر كتاب جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير الجرزي جـ 9 ص 410. وهو حديث ضعيف.

(3) - انظر باب أدب القضاء من تلخيص الحبير جـ 4 ص 190 - 191، وانظر جامع بيان العلم وفضله جـ 2 ص 110 - 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت