فهرس الكتاب
(د) وقال أبو حنيفة في مسائل الآبار: ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين.
(هـ) وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا، ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدًا اقتدى به يفعله.
ونوقش هذا الدليل بما يأتي:
1 -أن دعوى أن جميع الأئمة صرحوا بجواز التقليد دعوى ممنوعة، بدليل أن الأئمة والصحابة نهوا عن تقليدهم، وعن الاستنان بآراء الرجال، وقد كانوا يذمّون التقليد وأهله، ويُسَمُّون المقلد"الإمعة"و"المحقب"، كما قال ابن مسعود: الإمعة الذي يحقب دينه الرجال [1] ويسمّونه الأعمى الذي لا بصيرة له، ويقولون إن المقلدين هم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، وسمَّى الشافعيُ المقلدَ: حاطب ليل، ونهى عن تقليده وتقليد غيره.
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن ذم التقليد والمنع منه محمول على على من له قدرة على الاجتهاد والاستنباط، ولا يراد شموله العوام ومن في حكمهم جمعًا بين الأدلة.
2 -ونوقش أيضًا: بأن هؤلاء الأئمة، الذين حكيتم عنهم أنهم جوزوا التقليد، هم من أعظم الناس بعدًا عن التقليد، واتباعًا للحجة والدليل، من ذلك:
(أ) ما سبق عن الشافعي، أنه نهى عن التقليد، وسمى المقلد حاطب ليل.
(ب) وصحّ عن أبي حنيفة وأبي يوسف، أنهما قالا: لا يحلّ لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا، وهذا تصريح بتحريم التقليد.
(جـ) ومحمد بن الحسن من أتباع أبي حنيفة وخلافه له مشهور.
(1) - ورد في حديث ابن مسعود: (الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه) ، وفي رواية: (الذي يحقب دينه الرجال) . أراد الذي يقلد دينه لكل أحد، أي يجعل دينه تابعًا لدين غيره بلا حجة ولا برهان ولا روية، وهو من الإرداف على الحقيبة ا. هـ من لسان العرب جـ 1 ص 327 دار بيروت للطباعة والنشر.