فهرس الكتاب
ما ثبت أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتحوا البلاد كان حديثُ العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له عليك أن تطلب معرفة الحق بدليله في هذه الفتوى، بل لا يعرف ذلك عن أحد منهم البتة.
ووجه الدلالة: أن إفتاء الصحابة لحديثِ العهد بالإسلام، وعدم تكليفه بمعرفة الدليل، يدل على جواز التقليد.
ونوقش هذا الدليل: بأن الصحابة إنما كانوا يفتون حديث العهد وغيره بما سمعوه من نبيهم وما بلغهم من كتاب ربهم لا بآرائهم، ولم يقل الصحابة للتابعين: لينصب كل منكم رجلا لنفسه، يقلده دينه، ولا يلتفت إلى غيره، كما هو حال المقلدين.
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن الصحابة كانوا يفتون بآرائهم في بعض الأحايين، إذا لم يجدوا في تلك القضية التي سئلوا عنها نصًا من كتاب أو سنة، وكانوا يقولون للتابعين إذا لم تعلموا فاسألوا أهل العلم، وهذه دعوة إلى تقليد من يتيسر سؤاله من أهل العلم [1] .
الأدلة العقلية
الدليل الأول:
أن الله -تعالى- قد جعل في فطر العباد تقليد المتعلمين للأساتذة والمعلمين، وذلك عام في كل علم وصناعة، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا، وهذا يدل على جواز التقليد.
ونوقش هذا الدليل: بأن ما ركزه الله في فطر عباده من تقليد المعلمين والأساتذة، لا يستلزم جواز التقليد في الدين، وقبول قول المتبوع بغير حجة، وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة وأقوال أهل العلم لقوله، بل إن الله قد فطر عباده أيضًا على طلب الحجة والدليل المثبت لقول المدعي.
(1) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 186 و ص 247.