فهرس الكتاب
ومن ثم أقام الله -سبحانه- البراهين والأدلة القاطعة، والحجج الواضحة، والآيات العظيمة، التي تبهر العقول على صدق أنبيائه ورسله؛ إقامةً للحجة، وقطعًا للمعذرة، مع أن الأنبياء أصدق الخلق وأعلمهم، وأبرهم قلوبًا، وأكملهم في جميع الصفات، والانقياد للحجة أمر مشترك بين أجناس البشر، وإن خالف بعضهم عنادًا في الظاهر فهو مستيقن بصحته في الباطن، فما فطر الله عليه عباده من الانقياد للدليل والحجة والبحث عنه يبطل قول المقلدين [1] .
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن ما فطر الله عباده عليه من طلب الحجة لا ينافي جواز التقليد؛ لأن من لا يستطيع البحث عن الدليل، كالعامة ومن في حكمهم، ليس لهم طريق إلا التقليد لمن يستطيع البحث عن الدليل، ولا يستلزم جواز التقليد، تقديم المقلد على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة إذا ظهرت على خلاف قول من قلده، لكن العامي لا يستطيع معرفة ذلك.
الدليل الثاني:
أن الله قد فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله، والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها، ولو كان الأمر كذلك لتساوت أقدام الخلق في كونهم علماء، بل جعل -سبحانه- هذا عالمًا، وهذا متعلمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًا به، وقد علم -سبحانه- أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق؛ فلا يعقل أن يحرِّم على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًا به مقلدًا له، ويفرض عليه أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها، وهل هذا في الإمكان، فضلا عن كونه مشروعًا.
(1) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 186 و ص 243 و ص 244.