فهرس الكتاب
ونوقش هذا الدليل: بأن تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم، ونحن لا ننكر أن الله فاوت بين الأذهان، ولا ندعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دقيقه وجليله، بل الذي ننكره وينكره الأئمة، ما عليه المقلدون من نصب رجل واحد، وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقدم عليها وعلى أقوال الصحابة اكتفاء بتقليده، فإن هذا ينافي حكمة الله ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه، وهجر كتابه وسنة رسوله، كما هو الواقع من المقلدين [1] .
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن هذا وصف طبقة معينة من الفقهاء، وهم المتعصبون لأئمتهم، بحيث لا يقبلون قولا يخالف قولهم، وهذا خارج عن محل النزاع.
الدليل الثالث:
أن التقليد للعاجز عن النظر، والاستدلال أسلم له من طلب الحجة، ومانع التقليد إنما منعه خشية وقوع المقلد في الخطأ، بأن يكون من قلده مخطئًا في فتواه، ثم أوجب عليه النظر والاستدلال، ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه، ومثله كمثل من أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالمًا بتلك السلعة، خبيرًا بها، أمينًا ناصحًا، كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء.
ونوقش هذا الدليل بما يأتي:
1 -أن دعوى أن التقليد أسلم من طلب الحجة ممنوعة، فإن من ظفر بالحجة متيقن أنه على صواب، بخلاف المقلد فإنه شاك في صوابه، ولا شك أن طالب الحجة والمعتمد عليها أسلم عند الله من المقلد.
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن من ظفر بالحجة متيقن حقا أنه على صواب، ولكن هل يستطيع العامي الذي يحتاج إلى كسب معاشه الظفر بهذه الحجة؟.
(1) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 186 و ص 244 و 245.