فهرس الكتاب
أن المنع للعاجز عن أخذ الحكم من النصوص يوجب عليه النظر في الأدلة، والأدلة تشتبه عليه والصواب يخفى، والتقليد سليم في حقه، فوجب العدول إليه.
ونوقش هذا الدليل بما يأتي:
1 -أن العلة التي مدحتم بها التقليد بها يذم التقليد، فإنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى، وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال.
2 -أن في التقليد إبطالا لمنفعة العقل التي أمر الله بالانتفاع بها، حيث قال -تعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } [1] .
وقال ابن الجوزي: اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل، وقبيح بمن أُعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة ا. هـ [2] .
ويجاب عن هاتين المناقشتين: بأن هذا يقال في حق القادر على الاستنباط والفهم من النصوص، فإنه يجب عليه هجر التقليد، وفي تقليده إبطال لمنفعة عقله، أما العامي ومن في حكمه فليس له طريق إلا التقليد، وهو مأمور بسؤال العلماء.
الدليل السادس:
أن المانع للتقليد مقر بأن الأئمة المقلَّدين على هدى، فوجب أن يكون من قلدهم من العامة على هدى؛ لأنهم متبعون لطريقتهم فيما يأمرونهم به.
ونوقش هذا الدليل: بأن المقلِّدين لو ساروا خلف الأئمة واتبعوا طريقتهم لأبطلوا التقليد، فإن طريقة الأئمة اتباع الحجة والدليل، وقد نهوا الناس عن تقليدهم، فمن ارتكب ما نهى عنه الأئمة من التقليد فليس على طريقتهم، بل هو من المخالفين لهم.
(1) - سورة محمد آية: 24.
(2) - انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 79.