فهرس الكتاب
فإن قال: نعم. ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا، ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما؟ فهذا تناقض.
فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك. قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى بتقليد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك. فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع مَن دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادًا [1] .
المناقشة الثانية:
يقال للمقلدين المتعصبين لأئمتهم: هل دين الله عندكم: الأقوال المختلفة المتضادة، التي يناقض بعضها بعضها، ويبطل بعضها بعضًا، أم هو واحد لا يتعدد؟ فإن قالوا: بل هذه الأقوال المتضادة المتعارضة كلها دين الله. خرجوا عن نصوص أئمتهم؛ فإن جميعهم متفقون على أن الحق في واحد، كما أن القبلة في جهة من الجهات، وخرجوا أيضًا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح، وجعلوا دين الله تبعًا لآراء الرجال.
وإن قالوا: الصواب أن دين الله واحد، وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله، كما أن نبيه واحد وقبلته واحدة. قيل لهم: فالواجب إذن طلب الحق، وبذل الجهد في الوصول إليه بحسب الإمكان، فقد أوجب الله على الخلق تقواه بحسب استطاعتهم،
(1) - انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر جـ 2 ص 142 - 143، وانظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 177 - 178،، وانظر الفقيه والمتفقه جـ 8 ص 69 - 70، وانظر إرشاد الفحول ص 268 - 269.