فهرس الكتاب
ومعرفة ما به تكون التقوى لا تكون إلا بنوع اجتهاد منكم، وطلب وتحرٍّ للحق دون التقليد [1] .
المناقشة الثالثة:
يقال للمقلد المتعصب: بأي شيء عرفت أن الصواب مع من قلدته دون من لم تقلده؟ فإن قاله: عرفته بالدليل. قيل له: لست بمقلد حينئذ. وإن قال: عرفته تقليدًا له؛ لأنه أفتى بهذا القول ودان به، وعلمه ودينه وحسن ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق. قيل له: أفمعصوم هو عندك، أم يجوز عليه الخطأ؟
فإن قال: إنه معصوم. فقد خالف الأدلة الدالة على أنه لا عصمة لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - من البشر، وإن جوز عليه الخطأ، قيل له: فما يؤمنك أن يكون قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره. فإن قال: إنه إن أخطأ فهو مأجور. قيل له: هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور؛ لأنك لم تأت بموجب الأجر، بل قد فرطت في الاتباع الواجب، فأنت مأزور.
فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به، ويثني عليه، ويذم المقلد له؟ قيل له: المقلَّد إن قصر وفرط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحقه الذم والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر واتقى الله ما استطاع فهو مأجور، وأما المتعصب الذي يجعل قول متبوعه عيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به، ما وافق قول مقلده منها قبله، وما خالفه رده، فهذا يذم ويلحقه الوعيد.
وإن قال: قلدته ولا أدري: أعلى صواب هو، أم لا؟ فالعهدة على القائل، وأنا حاك لأقواله. قيل له: فهل تتخلص بهذا عند سؤالك أمام الله عما حكمت به بين عباد الله
(1) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 211.