فهرس الكتاب
في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر
لقد أخذ المقلدون المتعصبون لأئمتهم يهيمون على وجوههم، ويتخبطون خبط عشواء، فأخذوا ببعض السنة، وتركوا بعضها الآخر؛ تعصبًا لأئمتهم ومذاهبهم؛ فنجدهم يحتجون بالحديث فيما لم يرد به وما لم يدل عليهن ويبطلون الاحتجاج به فيما أريد به ودل عليه، ويتبين ذلك واضحًا منهم في الأمثلة الآتية:
المثال الأول:
احتج طائفة من الفقهاء بحديث: " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل الرجل " [1] على سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث، وقالوا: فضل وضوئهما: هو الماء المنفصل عن أعضائهما، وجوزوا لكل من الرجل والمرأة أن يتوضأ بالفاضل والباقي من طهور الآخر، وليس للخلوة عندهم أثر، ولا لكون الفضلة فضلة امرأة أثر.
مع أن هذا هو المقصود بالنهي في الحديث، فخالفوه وحملوا الحديث على غير محمله، فإن فضل الوضوء يقينًا هو الماء الذي فضل من المتوضئ وليس هو الماء المتوضأ به؛ إذ لا يقال له فضل الوضوء، فاحتجوا بالحديث فيما لم يرد به، وأبطلوا الاحتجاج فيما أريد به [2] .
المثال الثاني:
استدل طائفة منهم بحديث ابن عباس في الذي وقصته ناقته وهو محرم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا تخمِّروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا " [3] على منع المحرم من
(1) - انظر سنن ابن ماجه جـ 1 ص 133 مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
(2) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 196.
(3) - أخرجه مسلم وأخرجه البخاري بدون قوله:"ولا وجهه".