فهرس الكتاب
إن لانتشار المذاهب الأربعة، وبقائها دون غيرها من المذاهب، وتقليد المتأخرين لها، أسبابًا كثيرة أهمها الأسباب الآتية:
1 -التلاميذ: فقد هيأ الله لكل إمام من الأئمة الأربعة تلاميذ نجباء، ذوي قوة، أعجبوا بطريقة الإمام، وتأثروا بها، ودافعوا عنها، وكان لهؤلاء التلاميذ مكانة عند الجمهور تدعوهم إلى الأخذ عنهم والعمل بفتواهم، ولما تأصلت الثقة في قلوب الجماهير بهؤلاء الأئمة كان من الصعب بعد ذلك أن يقوم قائم بمذهب جديد يدعو الناس إلى اتباعه، ولو فعل ذلك أحد لثاروا عليه، وعدوه بذلك خارجًا عن الجماعة وكادوا له، وكانت همة الفقيه -بعدهم- الذي سَمَتْ نفسه إلى الاجتهاد أن يكون في النهاية مجتهد مذهب، يفتي بمذهب إمامه، أو يرجح أحد الرأيين له في مسألة من المسائل.
2 -القضاء: فقد كان الخلفاء في الماضي يختارون قضاتهم ممن يتوسَّمُون فيهم العلم بكتاب الله وسنة رسوله، والقدرة على استنباط الأحكام، فيَكِلُون إليهم الحكم، بعد أن يأخذوا عليهم ألا يعملوا إلا بالنصوص فيما فيه نصٌّ، أو الرأي الذي هو أقرب إلى النصوص فيما لا يكون فيه نص، كما في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء:"الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق"ا. هـ.
وكان جمهور الناس يثقون بهؤلاء القضاة ثقة تامة، ثم تغيّرت الحال بامتداد الزمن، فوُجِد من القضاة من لم يحافظ على سمعته وثقة الناس به، بما يظهر للناس من خطئه فظهر منهم الميل؛ لأن يكون القاضي مقيدًا في قضاءه بأحكام مذهب معيّن، حتى لا يتيسر له الشذوذ ليقضي به إذا وافق هواه وغرضه.
وهيأ الله لكل مذهب من الملوك والسلاطين من يقلده ويقصر تولية القضاء عليه، فيزداد العلماء الذين يقومون به بنشره وإشاعته، كما حصل لمذهب الشافعي من نصرة