فهرس الكتاب
محمود بن سُبكتكين في بلاد المشرق، وصلاح الدين الأيوبي في مصر، وكما كان لمذهب أبي حنيفة من نصرة العنصر التركي له، وكما حصل لمذهب مالك من نصرة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل من نشره في بلاد الأندلس، وكما حصل لمذهب أحمد من نصرة الدولة السعودية له في بلاد نجد والحجاز وملحقاتهما في العصر الحاضر، وكان من أنشأ مدرسة أو وقف وقفًا قصره على ذلك المذهب، فكان ذلك سببًا في انتشاره وتقليد الناس له.
3 -تدوين المذاهب: فقد وُفّق لكل مذهب مدوّنون موثوق بهم، فدوّنوا ما تلقوه عن إمامهم من الأحكام، وأخذها منهم العدد الكثير من تلاميذهم، فبثوها بين الناس الذين اتبعوهم ثقة منهم بمن يفتونهم، وبذلك قضي على المذاهب التي لم ينشط أتباعها إلى تدوينها وتهذيبها حتى يسهل تناولها، ولذلك لم ينتشر مذهب الليث بن سعد مع فقهه وورعه، حتى قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. أي لم يُعْنَوا بتدوين آرائه وبثها بين الناس، كما فعل أتباع مالك -رحمه الله-، ومثل الليث كثير من أئمة الصحابة والتابعين، الذين لهم آراء واستنباطات جيدة [1] .
المبحث الثالث
عصر التقليد
في منتصف القرن الرابع الهجري دبَّ الضعف في الدولة الإسلامية، فتفككت عراها، حتى اقتطع الأمويون من الدولة العباسية الأندلسَ، والفاطميون شمال أفريقيا، واقتطع الإخشيديون مصر واستقلوا بها، وضعفت العراق التي بها بغداد عاصمة الدولة العباسية، حتى جاء التتار بغاراتهم الهوجاء فقضوا عليها.
وتبع هذا الانحلال السياسي جمود الفقهاء على ما تركه أسلافهم من ثروة فقهية هائلة، والتي أصبحت مدوّنة متداولة، فكان جُلّ همهم البحث عن علل الأحكام التي
(1) - انظر تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري ص 326 وما بعدها.