الصفحة 81 من 214

قررها أئمتهم، وانحصرت بحوثهم في الدائرة المذهبية، وترجيح بعض الأحكام على بعض والاستدلال لأقوال أئمتهم، والانتصار لها، ومحاولة إبطال رأي مخالفهم، مما كان لهذا العمل أثره السيئ فيما بعد من وجود التعصب دون نظر في الدليل.

وقد امتد هذا العصر حتى أواخر القرن الماضي، وشخصيات فقهاء هذا العصر قد ذابت في شخصيات أئمتهم في الجملة، وإن كان قد وجد فيهم فقهاء لا يقلون عن سابقيهم في حسن الاستنباط، وعمق الفكرة، وجمع الآثار، والترجيح بين الروايات، واستنباط علل الأحكام، والإفتاء في مسائل جديدة لم يسبق لأئمتهم النظر فيها [1] .

المبحث الرابع

مراحل التقليد في هذا العصر

لم يكن ترك الاجتهاد من الفقهاء في هذا العصر والركون إلى التقليد طفرة واحدة، بل كان على سبيل التدريج.

1 -فقد اتجه الفقهاء في الفترة الأولى من هذا العصر إلى التقليد؛ لقربهم من العهد الأول، الذي ازدهر فيه الفقه الإسلامي، واتصالهم به ولم تَجِدَّ لهم حوادث، ولم تتغير العادات -في الغالب- عما هي عليه في العصر السابق، ومما شجع على الوقوف من العلماء عند هذه المذاهب المعروفة تعيين القضاة والمفتين من قبل الدولة في المذهب الحنفي في الشرق، والمذهب المالكي في الأندلس وبلاد المغرب، كما أن العلماء أصدروا فتواهم بسد باب الاجتهاد؛ ليضعوا حدا لفوضى الإفتاء، إثر فقدان الدولة سيطرتها، حتى على الشئون الدينية؛ لمنع الدخلاء على الإفتاء الذين تصدَّوْا له.

2 -وفي الفترة الثانية من هذا العصر، من وقت سقوط بغداد بأيدي التتار، سُمِّيَ الفقهاء بالمتأخرين، وانتقلت حركة الثقافة ومراكز العلم من بغداد وبخارى ونيسابور إلى أماكن نزح إليها كثير من العلماء بسبب اضطهاد المغول لهم، كمصر والشام والهند

(1) - انظر مدخل الفقه الإسلامي للدكتور محمد سلام مدكور ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت