الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى النساء، وغنم الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة، حتى خلصها من الأسر، ثم عاد إلى قرطبة مظفرًا.
ولما رجع المنصور بن أبي عامر من إحدى غزواته في شمال الأندلس قابلته امرأة مسلمة على أبواب قرطبة، وقالت له: إن ابني أسير عند النصارى، ويجب عليك أن تفديه أو تأتي به، فما دخل المنصور قرطبة، بل عاد بجيشه حتى فك هذا الأسير.
وتاريخ المسلمين الصادقين، مليء بهذه المفاخر العظيمة، إنه الصدق والوفاء، ... والبر والإخاء عزائم مخلصة، وحكامٌ أفذاذ يعملون لشعوبهم ولو على حساب زوال ملكهم ويعيشون نكبات أمتهم، ويريبهم ما يريب أمتهم وشعوبهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ووجوب فك الأسرى من الأمور الظاهرة في الشريعة الإسلامية، وقد تواترت بذلك الأدلة، واتفق على ذلك الأئمة، وأجمع على ذلك المسلمون.
قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله في مراتب الإجماع (122) واتفقوا أنه إن لم يُقْدَر على فك المسلم إلا بمال يعطاه أهل الحرب، أن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب.
وروى سعيد بن منصور في سننه (2822) عن ابن عياش، عن عبد الرحمن بن أنعم (وفيه ضعف) عن المغيرة بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبى عمرة قال: لما بعثه عمر بن عبد العزيز بفداء أسارى المسلمين من القسطنطينية قلت له أرأيت يا أمير المؤمنين إن أبوا أن يفادوا الرجل بالرجل كيف أصنع؟ قال: عمر زدهم قلت إن أبوا أن يعطوا الرجل بالاثنين؟ قال فأعطهم ثلاثًا، قلت فإن أبوا إلا أربعا؟ قال: فأعطهم لكل مسلم ما