الصفحة 203 من 264

إن الصراع بين الحق والباطل لا بد أن يقع - سنةً من سنن الله - منذ اللحظة التي يوجد فيها للحق رجال يؤمنون به ويعملون على نشره وتمكينه في الأرض. فالجاهلية لا يمكن - بحال من الأحوال - أن تصير على دعوة الحق، ولا أن تهادنها، ولو لم تتعرض لها الدعوة على الإطلاق: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [الأعراف: 87 - 88] .

هكذا! لا مهادنة، ولا صبر حتى يحكم الله بما يشاء! وإنما عدوان وإخراج، ومطاردة وإيذاء! فمَن الذي يستجيب للدعوة في المراحل الأولى من ذلك الصراع الذي يدور بين الحق والباطل؟ أيستجيب الذين يبحثون عن المصالح الدنيوية، ويحسبون حساب الأرباح والخسائر بمقياس تلك المصالح؟ أيستجيب الذين ينقادون بطبيعة تركيبهم النفسي للأمر الواقع، ولو عرفوا ما فيه من السوء، ولا يتجهون إلى الأمر الذي يجب أن يقع، ولو عرفوا أنه خير من واقعهم الذي يعيشون فيه، لأنه يحتاج في تحقيقه إلى جهد، وهم لا يحبون بذل الجهد .. ويعرضهم للأخطار، وهم لا يحبون أن يتعرضوا للأخطار؟!

إنما يستجيب في المراحل الأولى من الصراع، الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر .. الذين يحسبون الكسب والخسارة بالميزان الرباني، لا بالميزان الأرضي الذي تزن به الجاهلية، ولا تعرف ميزانًا سواه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت