فهرس الكتاب
الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا. كما كان السلف يفعلون؛ فقد يكون عِند هذا حدِيثٌ سمِعه أو معنًى فهِمه خفِي على الآخرِ، والآخر مأجورٌ على اجتِهادِهِ أيضًا. ولا إثم عليهِ فِيما خفِي عليهِ بعد اجتِهادِهِ؛ كما فِي الصحِيحينِ عن النبِيِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» . ولو صلى أربعة أنفسٍ إلى أربعِ جِهاتٍ إذا أغيمت السماء كلٌّ بِاجتِهادِهِ فكلهم مطِيعٌ لِلهِ عز وجل وتبرأ ذِمته، لكِن الذِي أصاب جِهة الكعبةِ واحِدٌ وله أجرانِ. وقد قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} ؛ فأثنى تعالى على النبِيِين جمِيعًا مع أنه خص أحدهما بِفهمِ تِلك الحكومةِ، والدِين كله مأخوذٌ عن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ليس لِأحدِ بعده أن يغيِر مِن دِينِهِ شيئًا، هذا دِين المسلِمِين؛ بِخِلافِ النصارى؛ فإِنهم يجوِزون لِعلمائِهِم وعبادِهِم أن يشرعوا شرعًا يخالِف شرع اللهِ قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال النبِي - صلى الله عليه وسلم: «إنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ الْحَرَامَ فَأَطَاعُوهُمْ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الْحَلَالَ فَأَطَاعُوهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتَهُمْ إيَّاهُمْ» . ولِهذا كان أئِمة المسلِمِين لا يتكلمون فِي شيءٍ أنه عِبادةٌ وطاعةٌ وقربةٌ إلا بِدلِيلِ شرعِيٍّ واتِباعٍ لِمن قبلهم؛ لا يتكلمون فِي الدِينِ بِلا عِلمٍ