فهرس الكتاب
«كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» وروِي «فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» . وهذا يدل على أن النهي كان لِما كان يقال عِندها مِن الأقوالِ المنكرةِ سدًّا لِلذرِيعةِ كالنهيِ عن الِانتِباذِ فِي الأوعِيةِ أولا؛ لِأن الشِدة المطرِبة تدِب فِيها ولا يدرى بِذلِك فيشرب الشارِب الخمر وهو لا يدرِي. وقال الأكثرون: زِيارة قبورِ المؤمِنِين مستحبةٌ لِلدعاءِ لِلموتى مع السلامِ عليهِم كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إلَى الْبَقِيعِ فَيَدْعُو لَهُمْ، وكما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فِي الصحِيحينِ: أَنَّهُ خَرَجَ إلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَصَلَّى عَلَيْهِمْ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَوْتَى كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فِي الصحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» . وهذا فِي زِيارةِ قبورِ المؤمِنِين، وأما زِيارة قبرِ الكافِرِ فرخِص فِيها لِأجلِ تِذكارِ الآخِرةِ ولا يجوز الِاستِغفار لهم، وقد ثبت فِي الصحِيحينِ عن النبِيِ - صلى الله عليه وسلم - أنه زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْت رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْته فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» .