،مقدمه، ص:4
أما ابو حاتم- رحمه اللّه- فقد وضع حقيقة الأديان الواحدة امام اهل الأديان جميعا، و بين الخلاف بين فروع الشرائع و أسبابه، و الترابط و الاتحاد بين أصولها و ضروراته، بما لا يدع مجالا لمتخلف أن يتخلف الا أن يكون مرضه القلبى مزمتا و علته العقلية مستعصية او يكون جاهلا بكتابه الذى يعتقد به.
و اذا كان قد قيل ان السبب الدافع لمن ذهبوا مذهب ابن زكريا في انكار النبوة و تمجيد العقل أو من ذهب هو مذهبهم كمانى قبلا و كاخوان الصفا بعدا مثلا كان محاولة القضاء التفاوت و الخلافات بين المجتمع و ازالة التباين بين طوائفه و مجاميعه بالقضاء على اسبابها، تلك الأسباب التى اعتبروا تعدد الأديان أهمها، فان ابا حاتم بما اوجده من الألفة و الوحدة التامة بين الأديان، اقرب الى تحقيق هذه الأمنية منهم و أصح. فتوحيد الناس لا يكون بالغاء الدين و انكار النبوة و ترك الناس لانفسهم، بل باقرار الدين على حقيقته و انصباغ الناس بالصبغة الواحدة. فما أبعد الفرق بين التوحيد في الاطلاق و التوحيد في الالتزام.
و انه لشى ء يذكرنى بقصة الرجلين جلسا الى جوار بعض في حديقة: فتتاءب أحدهما و تمطّى، فوكزت يده انف صاحبه، فصاح:
أنفى!! فجاوبه الآخر: ان يدى لم تخرج عن حدود حريتها، ان لها الحق ان تتحرك في الفضا ما شاءت!! فأجابه صاحبه: حقا قلت، و أعترف بحرية يدك. و لكن انفى هى الاخرى تطالب بحريتها و حدود حرية يدك تقف عنه حدود حرية انفى!! و هنا يظهر ابو حاتم في هذا الكتاب