أنظر بن الجوزي- رحمه الله- يقول: والعجيب أن هذه الخاطرة التي أرد عليه به بعد هذه الخاطرة مباشرة، وأنا أعلم أن هذا لا يَحُجُه، لماذا؟ لأنه قد يكون بين الخاطرتين عشرين سنة، والكتاب اسمه صيد الخاطر، ولا يلزم أن تكون كل خاطرة كُتبت بعد أختها، إنما كتبها هكذا على حسب الحوادث، ثم جمعها في النهاية في كتاب، فمن الجائز أن ينسى الإنسان حتى وإن كان إمامًا كبيرًا.
هَل يُقَد ح الْنِّسْيَان فِي ذَاكِرَة الْذَّاكِر؟ لا يقدح النسيان في ذاكرة الذاكر، وهذا معلوم عند علماء الحديث أن العالم إذا حدث بحديث فنسيه إن هذا لا يضر الحديث إذا ذكره من أخذ الحديث عنه، وفي هذا أشياء كثيرة، السيوطي عمل لها كتاب اسمه (تذكرة المؤتسي فيمن حدَّث ونسي) .أتى بكل الوقائع التي حدَّث فيها المحدث الثقة الثبت الذي لا يشك في حفظه بعد، والخطيب البغدادي عقد في كتاب (الكفاية في علوم الرواية) فصلًا في هذا، إذا حدث الثقة بالحديث ثم نسيه فإن هذا لا يضرّ الحديث فهذا بن الجوزي ونحن كلنا معرضون لهذا، مثلًا منذ عشرون سنة حققت كلامًا والآن لما جئت أُحققه ربما وصلت إلى نتيجة ربما تخالف ما ذكرته في المرة السابقة، فهذا لا يقدح في بن الجوزي- رحمه الله-، لكنني أرد عليه بكلامه هو.
قال- رحمه الله-: (قدرتُ فِي بَعْض الْأَيَّام عَلَى شَهْوَة الْنَّفْس هِي عِنْدَهَا أَحْلَى مِن الْمَاء الْزُّلال فِي فَم الْصَّادِي) الصادي: شديد العطش (وَقَال الْتَّأْوِيْل: مَا هَهُنَا مَانِع وَلَا مُعَوِّق إِلَا نَوْع وَرِع)