فهرس الكتاب
يقدر على الصوم والآية ليست منسوخة كما قد يذهب الظن بالبعض لأن المسألة متعلقة بالعاجز بدنيا ولا يطيق الصوم أصلا .. والطاقة هن بمعنى القدرة والإستطاعة .. جاء في لسان العرب حديث أَبي قتادة ومُراجعةِ النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في الصوم فقال، صلى الله عليه وآله وسلم: ودِدْت أَنِّي طُوِّقْتُ ذلك أي ليته جُعِل داخلًا في طاقَتي وقدرتي، ولم يكن، صلى الله عليه وآله وسلم، عاجزًا عن ذلك غيرَ قادر عليه لضعف منه ولكن يحتمل أنه خافَ العجز عنه للحقوق التي تلتزمه لنسائه، فإِن إدامة الصوم تُخِلّ بحظوظهن منه. وتَطَوَّقَت الحيّةُ على عنقه: صارت عليه كالطَّوْق ..
وبالتالي يتوجه الموضوع إلى العجز عن الصوم وليس عن حكم مرحلي كما جاء في بعض الآثار ..
(( إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ).. وعلم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه .. والأهم من كل ذلك أن يكون المؤمن على صلة بربه برا وطاعة علما وعملا ومخافة له ..
إن لشهر رمضان أفضالا كثيرة .. وهو نعمة كبرى أنعمها الله علينا ربما اكتشفنا بعض أسرارها الظاهرة .. ولكن فضل رمضان كبير وكبير جدا .. ويكفي أن القرآن الكريم نزل فيه .. فشرف الشهر الكريم به .. وفيه ليلة القدر .. وما أدراك ما ليلة القدر .. (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185) ... ))..
إن شهر رمضان له دور كبير في حياة المجتمع الإسلامي .. ومن واجبهم الإستعداد له الاستعداد الأمثل بما يليق بقيمته عند الله سبحانه وتعالى ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثني يحيى بن بكير قال: حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني ابن أبي أنس، مولى التيميين، أن أباه حدثه: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ) )..
إن شهر رمضان المعظم يمتاز بأنه العبادة سامية ومتكاملة من حيث البدن والروح .. وفي رمضان تمتاز العبادة بالصوم الذي هو امتناع عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب .. وبالتسامي الكامل في الامتناع عن كل محرم .. وعن صوم الجوارح عن كل ما يغضب الله .. فالصوم صوم عامة عن الأمور المادية وصوم خاصة عن الأمور المادية وعن الانحرافات ما ظهر منها وما بطن .. وصوم خاصة الخاصة من حيث انه تسام كامل عن كل شؤون الدنيا بحيث تعانق الروح عنان السماء تطلعا إلى الأكمل والأوفق بلا انتهاء .. حيث يعتبر الصوم امتناعا كاملا عن درن الماديات وتعلقا كاملا بالروحانيات .. وبمسلك الملائكة حبا في الله وتطلعا لمرضاته ومناجاة له عن طريق القرآن الكريم الذي نحبه ويحبنا والذي يحدثنا ونحدثه .. والذي نصدقه ويصدقنا .. والذي يسمو بنا في رحلة الإيمان إلى مسالك لا يدركها إلا العالمون حلاوة ما بعدها حلاوة وسعادة ما بعدها سعادة .. في شهر رمضان يشعر المؤمن فعلا أنه في طريق الله .. أنه قريب من الله .. وان رحمة الله تشمله .. وأن الدنيا قليلة مهما كثرت وقصيرة ومهما طالت .. وأن موعد الله لا يتخلف .. يشعر فعلا أنه يسمو .. وأنه يرتقي في مراتب التقرب إلى الله قولا وفعلا ونية وعملا وبذلا وعطاء بلا حدود ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن سعد: أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن: فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
ويتجلى فعلا أن الشكر لله .. ليس كلمات تقال وإنما هو عمل وبذل وعطاء وصبر ومصابرة على أوامر الله وعلى مشاكل الحياة التي لا تنتهي .. حيث يتجلى أن البذل والعطاء يشكل العمود الفقري للدين