فهرس الكتاب
حاربه بكل قوة رادعة .. وهذا ما ينطبق على المجتمع الإسلامي الأول الذي نشا في المدينة المنورة بقيادة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. حيث نزلت أول آية تحرض المؤمنين على القتال حتى يكونوا أقوياء يزرعون الرهبة في قلوب الأعداء والأمن والأمان داخل المجتمع الإسلامي: (( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190) ... )).. المسألة واضحة لا لبس فيها ولا التباس .. القتال لمن أراد القتال والسلم لمن أراد الموادعة والمهادنة .. ولذلك نفهم سر بعض العلماء الذين اعتبروا هذه الآية منسوخة .. وأن حكم هذه الآية جاءت بعد أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية حيث بقي شهرا وأمضى الصلح المشهور .. وأن الأمر الحقيقي بالقتال لكل معتد جاء في الآية التالية:
(( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191) ... ))- ثَقِفْتُمُوهُمْ؟ ما معنى ثقفتموهم؟ .. جاء في لسان العرب: ثَقِفْتُه إذا ظَفِرْتَ به .. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ .. ما الفتنة؟ .. جاء في لسان العرب: قال الأَزهري وغيره: جِماعُ معنى الفِتْنة الابتلاء والامْتِحان والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ، وفي الصحاح: إِذا أَدخلته النار لتنظر ما جَوْدَتُه، ودينار مَفْتُون. والفَتْنُ: الإِحْراقُ .. لقد عانى المجتمع الإسلامي الأول - وهو قدوتنا إلى قيام الساعة - شتى صنوف التعذيب النفسي والجسدي .. والإقصاء والمحاصرة .. ولما أذن الله سبحانه وتعالى بالهجرة من مكة إلى المدينة المنورة .. وبدأ نشوء المجتمع الإسلامي الأول بدأت المخاطر تكبر في وجه هذا المجتمع .. وكان لا بد من وضع حد لما يتهدده من مخاطر ليس في مكة فقط بل في كل من أشرك وكفر وأراد إلحاق الضرر الفعلي بالمسلمين .. من هنا جاء الأمر الواضح الذي لا لبس فيه ولا التباس باستئصال شأفة الكفر وأهله تطهيرا للأرض منهم حتى ترتفع راية الإسلام خفاقة .. وحتى يعم الأمن والأمان الربوع .. ويذكر الله سبحانه وتعالى .. ويعبد وحده لا شريك له .. ويطبق شرعه الحكيم .. ما لحق بالمسلمين في مكة أيام الدعوة ليس أقل من القتل .. بل هو أشد في ميزان الحق .. لأنه يتعلق بالدين والدين فوق الجميع .. مع بقاء حرمة المسجد الحرام إلى قيام الساعة فلا يقاتل فيه المسلمون الكافرين إلا إذا بادر فيه الكفار بالقتال والعصيان .. حتى يكون الحرم آمنا إلى منتهى الإسلام .. ومن رحمة الله بعباده أن يترك لهم باب التوبة مفتوحا .. حتى في أحلك اللحظات .. ليدركوا دوما أن الله حق وأن الرسول حق وأن القرآن حق وان الإسلام حق وهو الدين الخاتم .. (( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(192) ... )).. والانتهاء هنا هو بمعنى التوبة .. أي فإن تابوا وتجلى ذلك عمليا وليس كلاما .. فإن الله يعدهم وعد الصدق بالمغفرة .. ليس هذا فقط بل وكذلك بالرحمة .. ورحمه رحمة رق له وشفق وتعطف وغفر له .. فالرحمة أكبر من المغفرة .. وتشملها وتحيط بها وتتجاوزها إلى الأجر والعطاء .. والحمد لله رب العالمين .. أما بقية من أراد بالإسلام والمسلمين سوءا فلا جدال معهم إلا بلغة القوة إقامة لدين الله وحماية لدين الله (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ(193) ... )).. فالسكوت عن القتال جريمة لا تغتفر .. وترك الحبل على الغارب يشي بعواقب وخيمة تهدد المجتمع الإسلامي من الداخل .. المجتمع الإسلامي الذي يرفع راية الدين وكلمة الدين ويحمي الدين من أعدائه بالقوة الفاعلة والرادعة وفي كل مجال بلا استثناء .. ولكن المبدأ في العدوان هو الكفر .. وكفر الشيء ستره وغطاه .. كفر بنعم الله جحدها وتناساها .. الكفر ضد الإيمان .. كفر بالله نفى وجوده أو جعل له شريكا والله لا يشارك في ذاته ولا في صفاته ولا في ملكه .. ليس هذا فقط .. بل والظلم أيضا .. فقد يكون كافرا ولكنه ليس محاربا .. نتركه وشأنه ولكن ندعوه بلغة العصر .. ونبلغه أمانة الرسالة .. ولكننا لا نحارب إلا الظالمين الذين يبدؤون بالعدوان الفعلي ونردعهم بصفة جذرية وتامة ونستأصل شأفتهم لا تأخذنا في ذلك لومة لائم .. (( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ... )).. وعودة للمجتمع الإسلامي الأول حيث انه في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة .. منع كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دخول مكة المكرمة .. وتم الصلح على أن يعود في السنة الموالية وهو ما تم فعلا في نفس الشهر ذي القعدة .. فكأن الله اقتص