فهرس الكتاب
ولا بهرجها .. ولا دعوات الفتنة والفساد .. المؤمن قوي بإيمانه معتدل بفكره وأفعاله .. يتخذ سبيله بكل ثقة واتزان وهو يدرك تماما ما يفعل ويحتسب حياته كلها سرا وجهرا قولا وفعلا وعملا لله العزيز الرحيم ..
يتأمل المؤمن التاريخ ويستفيد من قراءته له ومن تأملاته فيه .. فالتاريخ عبرة .. والعاقل الذي يستخدم العقل حق الاستخدام .. إنما يستفيد ويضيف ويفيد غيره بتجربته هو وبعلمه وأدبه وفكره وخبرته .. يدرك المؤمن حقا وصدقا انه عابر .. وانه راحل في أية لحظة لذلك عليه التزود وعليه مخافة الله في السر والعلن .. (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213) ... )).. هذه نعمة كبرى أن هدانا الله إلى الإسلام والى الحق المبين كي نستقيم على الطريقة التي ارتضى .. ومن نعم الله سبحانه وتعالى أن بعث فينا محمدا عليه وعلى آله الصلاة والسلام هاديا ومبشرا ونذيرا .. بعد أن اختلفت الأمم وتمزقت .. وضاعت عن الحقيقة التي لا تمارى ..
المقصود هنا القرون التي تلت آدم عليه السلام .. لا يهم إن كانت عشرة قرون أو أكثر أو أقل .. كما لا يهم كم كان بين آدم ونوح عليهما السلام .. وكم كان عدد الأنبياء وكم مدة فاصلة بينهم .. أعتقد أن هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر .. المهم .. أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق على الفطرة .. أي على الإسلام دين التوحيد الخالص .. وأشهدهم على ذلك .. ثم استمرت القرون قيل هي عشرة قرون من التوحيد ثم انحرف الناس بالعبادة .. فأرسل الله الرسل لتبشر وتنذر .. وهذا هو الدور الحقيقي للنبي إعلان التوحيد الخالص أي عبادة الله وحده لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد ولا شبيه له ولا يحده المكان والزمان .. لأنه خلق المكان والزمان وخلق كل شيء ولا يتحدد بهما .. وليس كمثله شيء .. الذين أوتوا الكتاب أي اليهود والنصارى يعلمون هذه الحقيقة علم اليقين .. ولكن ظلموا أنفسهم بإخفائها وحرفوا الدين ونسبوا لله الولد والشريك والله واحد لا يشارك في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته .. لذلك اختار الله سبحانه وتعالى هذه الأمة المحمدية بالرسالة الخاتمة كي تبلغ كي تؤدي الأمانة كي تكون شاهدة على الناس إلى قيام الساعة .. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .. هل يقف الأمر عند هذا الحد؟ .. كلا وألف كلا .. فلا بد من الامتحان .. لا بد من المحك .. لا بد من الدرس .. وأي مجتمع إسلامي يدخل تحت طائلة هذه القاعدة الربانية .. قاعدة الامتحان الكبير إلى قيام الساعة .. لا تتخلف القاعدة ولا تشذ ولا تحابي أحدا مهما كان وأنى كان ..
(( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214) . ))..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشام، عن ابن جرير قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} . خفيفة، ذهب بها هناك، وتلا: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله لا إن نصر الله قريب} . فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن تموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا، أن يكون من معهم يكذبونهم. فكانت تقرؤها: {وظنوا أنهم قد كذبوا} . مثقلة.
البأساء والضراء: كل ما يضر المؤمن من مرض وهم وفقر وشغب .. وديون .. وخاصة الفقر والمرض ..
من هنا يتأكد مفهوم الامتحان الكبير الذي يخوضه المؤمن والذي عليه أن يبرهن من خلاله عن مدى صبره ووعيه وقوة إيمانه .. وأن يدرك فعلا أن هذه الدنيا ليست صدفة غبية ولا عبثا .. وإنما هي أمانة .. وحيث إنها أمانة فقد وجب أن يعطيها المؤمن وكذا المجتمع الإسلامي حقها من القداسة والقوة والدقة .. وأن يصبر على بلائها بجميع ضروبها مرضا وفقرا وشدة وهما وغما من كل جانب .. لذلك لا نستغرب كيف أكد الله سبحانه وتعالى على مسالة الإنفاق درءا للمفاسد وسدا للذرائع وقضاء لحاجة