فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 1691

رفع الله سبحانه وتعالى الحرج عن الحديث العادي الذي يجري بين الناس .. وسماه لغوا .. أي ما لا يعتد به من كلام عادي قد يقسم فيه المرء ساهيا أو ناسيا .. فتلك اليمين لا كفارة فيها .. لأنها من باب اللغو .. ولكن الكفارة فيما نوى المرء بقلبه .. وعزم عليه .. ولذلك يتحرى المؤمن ويختار الأسلم كما كان يفعل أبو بكر رضي الله عنه حيث ورد في صحيح البخاري:

حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن: أخبرنا عبد الله: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن يحنث في يمين قط، حتى أنزل الله كفارة اليمين، وقال: لا أحلف على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني.

حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا حمَّاد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة ابن أبي موسى، عن أبي موسى الأشعري قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله، فقال: (والله لا أحملكم، ما عندي ما أحملكم) . ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا يبارك الله لنا، أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا فحملنا، فقال أبو موسى: فأتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: (ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفَّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير وكفَّرت) . حدثنا أبو النعمان: حدثنا حمَّاد وقال: (إلا كفَّرت يميني، وأتيت الذي هو خير، أو: أتيت الذي هو خير وكفَّرت) .

لقد جاء الإسلام الحنيف مخلصا الناس كل الناس من كل معاملة جاهلية جهلاء مهما كان موقعها مكانا وزمانا إلى قيام الساعة .. وعلمهم كل شيء .. حتى يستقيموا على الطريقة المثلى وعيا وعملا ونية .. واعتبر حياتهم إن استقاموا عبادة مستمرة طاعة لله وشوق إليه وتطلعا إلى مرضاته يوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا .. ولذلك لا نستغرب كيف استأصل شأفة العادات الجاهلية واعتبر كل أمر مخالف للدين وأحكامه النورانية السامقة حريا بالتجاوز .. وحريا بالتعديل وكذا شأن الطلاق الجاهلي .. فقد كان الإيلاء طلاقا جاهليا .. أتدرون ما الإيلاء؟ .. الإيلاء هو اليمين يمنع نكاح المنكوحة .. كما عرفه أهل العلم .. إذا هي يمين تصير بموجبه المرأة طالقا .. فجاء الإسلام فجعل ذلك الطلاق طلاقا ولكن مع تأجيل التنفيذ: (( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ... )).

جاء في سنن النسائي:

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري قال حدثنا مروان بن معاوية قال حدثنا أبو يعفور عن أبي الضحى قال:-تذاكرنا الشهر عنده فقال بعضنا ثلاثين وق بعضنا تسعا وعشرين فقال أبو الضحى حدثنا ابن عباس قال أصبحنا يوما ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكين عند كل امرأة منهن أهلها فدخلت المسجد فإذا هو ملآن من الناس قال فجاء عمر رضي الله عنه فصعد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في علية له فسلم عليه فلم يجبه أحد ثم سلم فلم يجبه أحد ثم سلم فلم يجبه أحد فرجع فنادى بلالا فدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أطلقت نساءك فقال لا ولكني آليت منهن شهرا فمكث تسعا وعشرين ثم نزل فدخل على نسائه.

وجاء في سنن الترمذي:

حَدَّثنا الحسنُ بنُ قزعةَ البصريُّ. حَدَّثنا مسلمةُ بنُ علقمةَ. حَدَّثنا داودُ بنُ عليٍّ عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عَائِشَةَ قالت: آلى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وآله وسلَّم من نسائِهِ، وحرَّمَ. فجعلَ الحرامَ حلالًا، وجعلَ اليمين ِكفَّارةً. وفي البَابِ عن أبي موسى وأنسٍ.

حديثُ مسلمةَ بنِ علقمةَ عن داودَ، رواهُ عليُّ بنُ مسهرٍ وغيرهُ عن داودَ، عن الشَّعبيِّ؛ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وآله وسلَّم، مرسلًا. وليسَ فيهِ (عن مسروقٍ عن عَائِشَةَ) وهذا أصحُّ من حديثِ مَسلمةَ بنِ علقمةَ. والإيلاءُ أنْ يحلفَ الرَّجُلُ أن لا يقربَ امرأتهُ أربعةَ أشهرٍ فأكثرَ. واختلفَ أهلُ العلمِ فيهِ إذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ. فقال بعضُ أهلِ العلمِ من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وآله وسلَّم وغيرهِم: إذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ يوقفُ. فإمَّا أن يفيءَ، وإمَّا أن يُطلِّقَ. وهو قولُ مالكِ بنِ أنسٍ والشَّافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقال بعضُ أهلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت