فهرس الكتاب
الأَزهريّ: وهذا التمتيع الذي ذكره الله عز وجل للمطلقات على وجهين: أَحدهما واجب لا يسعه تركه، والآخرغير واجب يستحب له فعله، فالواجب للمطلقة التي لم يكن زوجها حين تزوّجها سمَّى لها صداقًا ولم يكن دخل بها حتى طلقها، فعليه أَن يمتعها بما عز وهان من متاع ينفعها به من ثوب يُلبسها إِياه، أَو خادم يَخْدُمُها أَو دراهم أَو طعام، وهو غير مؤقت لأَن الله عز وجل لم يحصره بوقت، وإِنما أَمر بتمتيعها فقط، وقد قال: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف؛ وأَما المُتْعةُ التي ليست بواجبة وهي مستحبة من جهة الإِحسان والمحافظة على العهد، فأَن يتزوّج الرجل امرأَة ويسمي لها صداقًا ثم يطلقها قبل دخوله بها أَو بعده، فيستحب له أَن يمتعها بمتعة سوى نصف المهر الذي وجب عليه لها، إِن لم يكن دخل بها، أَو المهر الواجب عليه كله، إِن كان دخل بها، فيمتعها بمتعة ينفعها بها وهي غير واجبة عليه، ولكنه استحباب ليدخل في جملة المحسنين أَو المتقين، والعرب تسمي ذلك كله مُتْعةً ومَتاعا ًوتَحْميمًا وحَمًّا. وفي الحديث: أَنّ عبد الرحمن طلق امرأَة فَمَتَّع َبِوَليدة أَي أَعطاها أَمةً، هو من هذا الذي يستحب للمطلق أَن يُعْطِيَ امرأَته عند طلاقها شيئًا يَهَبُها إِيّاه.
(( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(241) ... )).. جعل المتاع الذي تدفعه لمطلقتك حقا عليك إن كنت تقيا .. والتقوى من الوقاية .. اتقاه خافه وحذره .. التقوى مخافة الله والعمل بطاعته .. فإن كنت بحق تخشى الله وتعمل بطاعته فعليك أن تحسن إلى مطلقتك في كل الحالات ومهما كانت الخلافات والأسباب .. حتى تبقى الذكرى الطيبة بينكما .. وحتى ننبذ الحقد والكراهية بين المؤمن والمؤمنة مهما كانت التعلات والحجج الداحضة .. وحتى تتواصل الحياة داخل المجتمع الإسلامي مستقرة آمنة بلا خلفيات .. وبلا مشاكل .. (( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(242) ... )).. الآية هي العلامة .. هي الدليل على وجود الله الواحد الذي لا شريك له .. الزواج من الأدلة الثابتة على وجود الله الخلاق العليم الذي لا شريك له .. حتى نتأكد بالدليل المادي الملموس أن الله موجود وأنه رحمان رحيم .. يظهر لنا أدلته الثابتة كي لا نضل ولا نشقى ولا نبتعد عن منهج الله القويم الذي يكفل التوازن النفسي والفكري والجسدي وسعادة الدارين .. لعلكم تعقلون: عقل الشيء فهمه وتدبره .. فالمؤمن يفهم المقاصد الكبيرة للشريعة الإسلامية التي تنظر للدنيا والآخرة للفرد وللعائلة ولمجتمع الإسلامي كي يكون قدوة وكي يتواصل بلا هموم ولا أحزان ولا غل .. حتى ينطلق المؤمن عاملا للدنيا كأنه يعيش أبدا ولآخرته كأنه يموت غدا .. يتأمل نفسه ومحيطه .. ويتأكد من وجود الله .. ويتأكد أن الله حق وأن الرسول حق وان القرآن حق .. وان الجنة حق وان النار حق .. ويتأمل التاريخ ويأخذ منه عبرة .. ويستفيد منه في حياته الخاصة والعامة .. إنه لا يمر على الآثار وعلى قصص الأمم السابقة هكذا للتلهي وتمضية الوقت .. الوقت نحن مسئولون عنه أمام الله سبحانه وتعالى ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه .. فلم الخوف من المستقبل؟ .. لم الخوف من المواجهة؟؟ لم الخوف من الموت؟ .. والموت حق؟؟ المؤمن يواجه مشاكله الذاتية والجماعية بوعي وبحب الله وطاعته ولا يخشى الموت .. بل يعتبره مرحلة انتقالية نحو حياة أخرى نحو برزخ نحو يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ(243) ... )).. الألوف يسمى جمع كثرة ولا يطلق إلا على عشرة آلاف أو أكثر .. تتحدث الآية الكريمة عن سبط من أسباط بني إسرائيل نزل بهم الطاعون فهربوا منه .. ولا يجوز الخروج من مكان نزل به الطاعون .. أما هم فقد خرجوا (( حَذَرَ الْمَوْتِ ) ).. خوفا من الطاعون .. فأماتهم الله سبحانه ثم أحياهم فعادوا إلى أهليهم تفوح منهم الرائحة الكريهة ومازالت تلك الرائحة الكريهة يتوارثونها في ذلك الفرع من نسلهم إلى قيام الساعة كما قال العلماء .. فعد الدين الفرار من الطاعون كالفرار من القتال ..
جاء في سنن أبي داود:
حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن عبد اللّه بن عباس قال: قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول:"إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه )) يعني الطاعون .."