فهرس الكتاب
ربه .. ولا يقبل على ربه بالسمع والطاعات .. لم يبق مع طالوت سوى العدد القليل .. قال العلماء كان عدد من بقي مع طالوت كعدد من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا .. لا غير .. نفس العدد .. ونفس المواجهة مع اختلاف المكان والزمان .. ولكن التاريخ يعيد نفسه .. بين أهل الإيمان الحق أي الصفوة بين القيادة الراشدة والمقاتلين الذين أخلصوا تماما لله الواحد القهار .. وبين أهل الكفر الذين يعدون كل عدتهم وعددهم للمواجهة .. والفرق واضح .. والبون شاسع .. بين قلة مؤمنة عددا وعدة .. وبين كثرة كافرة تتباهى بقوتها وتريد القضاء على أهل الإيمان كي يخلو لها الجو فتعيث في الأرض فسادا .. (( ... فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ ... ) ).. البداية تكون بالإختبار .. وتكن بوضع الإيمان على المحك .. وبوضع الطاقات على المحك .. وتكون بالتسليم الكامل لله .. ثم تأتي المواجهة الحقيقية .. هذه المواجهة لا يضعف فيها المؤمنون ولا يتشتتون ولا يستثنون .. إنها الصفوة المختارة .. إنهم صفوة العلم والوعي والقوة .. صفوة التوحيد والعمل .. إنهم يتحدون كل شيء من أجل إقامة دين الله في الأرض .. (( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ .... ) ).. إنه حكم على الأشياء من منظور مادي صرف من خلال معادلة القوة .. هذا الكلام يقوله المؤمن حقا لأنه في لحظة ضعف عندما يحيط به الكفر من كل مكان .. لحظة الضعف البشري العادي .. فما دور أهل العلم الذين تجدهم وسط الصفوف ممارسة وتنظيرا .. الذين قرنوا القول بالفعل ولا يجلسون على الكراسي يتحدثون ولا يفعلون شيئا؟ .. بماذا يساهمون في اللحظة الحاسمة؟ .. إن كلمتهم الفاصلة في اللحظة الفاصلة وهم القدوة لها مفعول السحر .. والبلسم الشافي لجراحات النفس .. (( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) ... )).. الظن هنا هو محض اليقين .. ويقن الأمر ثبت ووجب .. لقد ثبت الأمر لديهم فلا مجال للشك أو التراجع .. إنهم في مواجهة حقيقية ومباشرة مع الكفر .. في معركة فاصلة يكون فيها الأمر في اتجاهين النصر أو الشهادة .. لقد اختاروا وتحملوا مسئولية اختيارهم الواعي والثابت بالتوحيد والسمع والطاعة والإستقامة والمضي دون تردد يساندهم في ذلك علمهم .. علم الشيء أدركه بحقيقته وكنهه .. علموا فعلا أن لحظة الحقيقة قد دنت .. دورهم في هذه المرحلة الحرجة هي تثبيت إخوانهم في المعركة .. التثبيت بماذا؟ .. (( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) ).. تلك حقيقة لا تمارى عبر كل زمان وكل مكان مع أهل الإيمان .. أهل الإيمان كانوا دوما هم القلة .. ولكن النصر يكون من عند من؟ .. النصر لا يكون إلا من الله العزيز الحميد .. المعز المذل .. النصر من الله أو لا كون .. وليس من قوة أخرى كافرة أو مشركة أو منافقة مهما كانت قوتها .. النصر من الله وحده الذي تعهد ووعده لا يتخلف في كل مكان وزمان بالتمكين لأهل الإيمان متى توفرت فيهم شروط التوحيد والإخلاص والإستقامة والسمع والطاعة وحسن الإعداد والتفويض .. (( وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) ... )).. مع كل الإيمان والتوحيد والإستقامة وترك المعاصي والسمع والطاعة وإعداد العدة .. لا بد من الصبر .. الصبر هو نصف الحل .. ونصف النصر .. ومتى توفرت القدوة أيضا التي تشكل الإقتران بين القول والفعل والعمل وتمثل دور التثبيت للعامل النفسي قبل المواجهة .. حصل التكامل بين القيادة والجنود والصفوة المختارة وعيا وعلما وعملا .. يكون التفويض الكامل لله عز وجل .. ويخلص الجميع لله .. ويفوض الجميع الأمر لله .. ويتقدم الجميع للمواجهة بلا تردد أو خوف .. لأنهم أسلموا أمرهم لله .. ومن يسلم أمره لله فلن يخيبه الله في كل مجال .. (( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(250) ... )).. لاحظوا أن المواجهة الحقيقية لم تقع إلى الآن بين أهل الأيمان على قلتهم وأهل الكفر على كثرتهم .. لقد امتحن أهل إلإيمان امتحانا من وراء امتحان .. وهم ينتظرون المواجهة الحاسمة .. حتى خلصوا إلى الصفوة .. وحتى خلصت الصفوة من شوائب التردد .. وحتى تكامل كل شيء .. ما الدور الآن؟ .. الآن دور الدعاء .. أجل فدعاء المجاهد المؤمن الحقيقي المخلص الموحد هو دعاء مستجاب بإذن الله العزيز الجبار .. (( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا ) ).. صب علينا الصبر صبا حتى يكون لباسنا وزادنا وسلاحنا الذي لا يفل في المواجهة .. وثبت أقدمنا حتى لا تهتز ولا تتراجع أمام قوة الكفر والباطل .. كن معنا .. وانصرنا .. النصر منك يا رب أو لا يكون ..