فهرس الكتاب
وفي الإستصفاء .. وفي بيان الحق من الباطل .. ويوضع الإيمان والمؤمن على المحك .. كي تستمر الحياة .. من هنا فإن المؤمنين الحقيقيين مدعون إلى تملي هذه الحقيقة وإلى البذل والعطاء ليس في المستوى المادي فقط لإعلاء كلمة الله ومنهج الله .. وكذلك في المستوى الأدبي والفكري والعلمي .. وفي كل مجال ينفع الذات وينفع العائلة وينفع المجتمع الإسلامي كله .. بكل ا تزان وموازنة .. وعدل واعتدال .. على أساس أن الحياة امتحان قوامه التوحيد والبذل والعطاء والإخلاص ظاهرا وباطنا .. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ(254) ... ))..
الخلة هي الصداقة والنسب .. قال صاحب لسان العرب:
والخُلَّة الصَّداقة، يقال: خالَلْت الرجلَ خِلالًا. وقوله تعالى: مِن قَبْل ِأَن يأْتي يوم لا بَيْع فيه ولا خِلال؛ قيل: هو مصدر خالَلْت، وقيل: هو جمع خُلَّة كجُلَّة وجِلال. والخِلُّ: الوُدُّ والصَّدِيق.
وقال اللحياني: إِنه لكريم الخِلِّ والخِلَّة، كلاهما بالكسر، أَي كريم ..
ولكن ترى ما معنى الشفاعة؟ ..
شاةٌ شَفُوعٌ وشافِعٌ: شَفَعها ولَدُها. وفي الحديث: أَن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بَعَثَ مُصَدِّقًا فأَتاه رجل بشاة شافِعٍ فلم يأْخُذْها فقال: ائْتِني بِمُعْتاطٍ؛ فالشافِعُ: التي معَها ولدها، سمّيت شافِعًا لأَن ولدها شَفَعها وشفَعَتْه هي فصارا شَفْعًا. وفي رواية: هذه شاة ُالشافِعِ بالإِضافة كقولهم صلاةُ الأُولى ومَسْجِدُ الجامِع. وشاة ٌمُشْفِعٌ: تُرْضِعُ كل بَهْمةٍ؛ عن ابن الأَعرابي. والشَّفُوعُ من الإِبل: التي تَجْمع بين مِحْلَبَيْنِ في حَلْبةٍ واحدة، وهي القَرُونُ. وشَفَعَ لي بالعَداوة .. وشَفَع لي يَشْفَعُ شَفاعةً وتَشَفَّعَ: طَلب. والشَّفِيعُ: الشَّافِعُ، والجمع شُفَعاء، واسْتَشْفَعَ بفُلان على فلان وتَشَفَّع له إِليه فشَفَّعَه فيه. وقال الفارسيّ: اسْتَشْفَعه طلَب منه الشَّفاعةَ أَي قال له كُنْ لي شافِعًا. الشفاعة الدُّعاءُ ههنا. وسئل أَبو العباس عن اشتِقاقِ الشُّفْعةِ في اللغة فقال: الشُّفْعَة الزِّيادةُ وهو أَنْ يُشَفِّعَك فيما تَطْلُب حتى تَضُمَّه إِلى ما عندك فَتَزِيدَه وتَشْفَعَه بها أَي أَن تزيده بها أَي أَنه كان وترًا واحدا ًفَضَمَّ إِليه ما زاده وشَفَعَه به ..
الله وتر .. وبقية الخلق شفع .. هكذا قال بعضهم .. وهذه الحقيقة البينة لا تقبل الدحض .. ولأن الأمر كذلك .. يقدم لنا رب العزة الحقيقة التي لا تمارى كما هي .. الدين واحد وينبع من مشكاة واحدة .. والرب واحد .. ومصدر الرسالات واحد .. وقد ماز الله بعض الأنبياء تفضلا منه ونعمة وليس بسبب التفريق في النبوة أو الرسالة .. بل بفضل الله .. ميز بعض الأنبياء عن بعض وبعض الرسل عن بعض وبعض الملائكة عن بعض .. وبعض الأزمنة عن بعض وبعض الأمكنة عن بعض .. وهكذا في سر مكنون لا يعلم مداه إلا الله العزيز الرحيم .. وما على المؤمن إلا أن يستكنه الأبعاد البعيدة لذلك .. وأن يدرك أن وراء الكل ربا واحدا لا شريك له ولا شبيه ولا نظير .. ولا يحده المكان ولا الزمان لأنه هو الذي خلق المكان والزمان ولا يتحدد بهما .. وان الاختلاف الذي أحدثه إنما لحفز الهمم .. وتنشيط القدرات .. والبحث عن البديل الأفضل والأنفع للناس .. والعطاء والمنافسة حتى يكون المؤمن في سباق يبذل فيه قصارى الجهد فكريا وعلميا وأبيا وماديا وروحيا كي يكون أفضل وأحسن على الدوام حبا في الله وتعلقا وبمرضاته على الدوام .. لذلك دعا إلى الإنفاق .. والبذل في كل شيء حلال وفي كل مجال ينهض بالفرد والعائلة والأمة .. كي يكون الفرد هو القدوة الحسنة وكي تكون العائلة هي القدوة الحسنة والمجتمع هو القدوة الأحسن والأوفق والأجمل والأروع بلا انتهاء .. الدين لم يأت من الله عبثا أو ترفا أو كلمات أو تمائم أو غير ذلك من وسائل العبث والتزيد والمغالاة .. بل الدين هو حياة الفرد كلها وحياة العائلة كلها وحياة المجتمع كله وحياة الإنسانية والكون كله .. على نسق عجيب ومتناسق ومتصاعد حبا لله وتعلقا به بلا انتهاء حتى الموت .. بعدها تبدأ الحياة الحقيقية ومع الخلود الحقيقي إن خيرا فخير .. وإن شرا فشر .. وبالتالي تتجلى وقتها مدى عظمة الله الذي أحاط بكل شيء .. والذي تفضل وأنعم وأكرم الإنسان بأمانة العقل والعلم والأخلاق كي يتعلم وكي يضيف وكي يكون هو خليفته في الأرض .. يرنو إلى الله .. الخير المطلق والنور المطلق والسعادة المطلقة والعطاء المطلق .. والمعبود المطلق الذي يذوب المؤمن والعائلة والمجتمع والكون والحياة في خيره ونوره وعطائه بلا حدود .. (( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ