فهرس الكتاب
أصلا من البداية .. ثم قال فيما بعد: (( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي ) )ليذهب المعنى إلى تخليصه من كل وثن وإعادته إلى حضيرة التوحيد الخالص ..
(( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ... )).. إذن استقر الأمر .. وتبين الرشد من الغي .. وأصبحت الكعبة من جديد محاطة بسكان وبأناس .. فكان لا بد أن يكون مركز التوجه آمنا .. يتوفر على المستقر .. وخال من كل خوف على النفس والمال والعرض .. حتى تتيسر العبادة لله الواحد الكريم العليم .. (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) ).. هل يكفي الأمن؟ .. قد تعيش في أمن وأمان ولكنك محتاج .. لا تجد ما يكفيك أو ما يسد رمقك وما يسترك وما يوفر لك الضرورات قبل الكمالات .. لذلك توجب أن تكون الدعوة فيها جانب الرزق .. فالرزق جزء من الأمن والأمان إن لم يكن ركنه الركين .. فالأمن ثم الرزق ولذلك قال إبراهيم عليه السلام (( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ ) ).. لماذا قال من الثمرات .. ؟ ولم يقل شيئا آخر .. ؟؟ .. قال ابن عباس: (( كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل اللّه ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير ) )ثم قرأ ابن عباس: (( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20) . ))- سورة الإسراء .. (أخرجه ابن مردويه وروي نحوه عن مجاهد وعكرمة) .. والمعنى واضح وهو أن الله يرزق مؤمنهم وكافرهم وهو الرزاق الفتاح العليم .. أما المؤمن فتكون له حسنات وأما الكافر فمتعته قليلة ثم يرده الله إلى عذاب بئيس والعياذ بالله ..
(( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) ... )).. القواعد: جمع قاعدة وهي الأساس .. والكعبة: كل بيت على هيئته في التربيع، وبها سميت الكعبة .. إذن بدأت عملية البناء .. وقد قال العلماء إن الله سبحانه وتعالى دل إبراهيم على مكانها وكان أول من طاف بها آدم عليه السلام .. واندثرت .. ولما علم إبراهيم موقعها رفع أسسها هو وابنه إسماعيل عليهما السلام .. وعند البناء كان لا بد من الدعاء .. فالمكان مبارك والدعاء فيه مستجاب والحمد لله .. (( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ).. علم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه .. وجاء في لسان العرب: ومنه الحديث: سَمِعَ سامِعٌ بحمدِ الله وحُسْنِ بلائه علينا أَي لِيَسْمَعِ السامِعُ ولِيَشْهَدِ الشاهِدُ حَمْدَنا اللهَ تعالى على ما أَحسَن إِلينا وأَوْلانا من نعمه، وحُسْنُ البلاء النِّعْمةُ والاخْتِبارُ بالخير ليتبين الشكر، وبالشرّ ليظهر الصبر. وفي حديث عمرو بن عَبْسة قال له: أَيُّ الساعاتِ أَسْمَعُ؟ قال: جَوْفُ الليلِ الآخِرُ أَي أَوْفَقُ لاستماع الدعاء فيه وأَوْلى بالاستجابة وهو من باب نهارُه صائم وليله قائم.
ولكن ما كانت دعوة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام؟؟ وهل كانا على دين اليهودية أو المسيحية؟ .. الله سبحانه وتعالى يقدم الأدلة الدامغة التي تزهق الباطل حول دين إبراهيم وإسماعيل رفعا لكل لبس والتبس: (( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ... )).. إذا فقد كانا على دين الإسلام الخالص .. على الحنيفية السمحاء .. فلماذا المغالطة إذن؟ .. وفي صالح من يمارس بعض الناس هذه المغالطة والقرآن الكريم يقدم الدليل المادي الملموس على أن دين إبراهيم وآله كان الإسلام ولا شيء غير الإسلام؟ .. وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا: أي متعبداتنا .. والنسك جمع نسيكة ما أمرت به الشريعة ..
وتعلمنا الآيات الكريمة أن إبراهيم مسلم وأنه أحيا الحنيفية السمحة في مستوى القول والفعل .. وأعاد الدين إلى فطرته الأولى .. وأنه بنى البيت المعمور كما كان بأمر الله .. وأنه وأهله استقاموا على الطريقة الواضحة التي يريدها والتي رد الله بها الإسلام إلى أصله الواضح الطاهر الذي يتماشى والنفس البشرية .. ليس هذا فقط بل طلب وابنه اسماعيل أن تتواصل مسيرة الإيمان والإسلام إلى قيام الساعة على النهج الذي اختاره الله سبحانه وتعالى عن طريق خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم استكمالا للعقد .. وتتمة لرحلة الإيمان في الأرض .. (( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129) ... )).. الكتاب: القرآن الكريم .. وعن ابن عباس: أم الكتاب القرآن من أَوله إلى آخره .. الحكمة: الجوهري: الحُكْم الحِكْمَةُ من العلم، والحَكِيمُ العالِم صاحب