فهرس الكتاب
إذن رفع الله سبحانه وتعالى الحرج عمن كان يجد في نفسه حرجا قبل الإسلام من السعي بين الصفا و المروة .. ولكن التطوع في هذا المقام يشمل العمرة .. لأن الحج فرض وليس تطوعا كما قال العلماء ..
وبذلك يرفع اللبس والإلتباس عن دين الله .. حيث كان اليهود والمسيحيون وما زالوا يسعون جاهدين لطمس حقيقة الدين الإسلامي الحنيف .. فكان أمر الله بالتوضيح ورفع الإلتباس .. حتى تكون المفاهيم كلها واضحة للعيان .. (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ(159) ... )).. إن العلم أمانة وإن الدين وهو أكبر علم وأشرف علم وأمانة .. ومطلوب من كل أديب ومفكر وعالم أن يبلغ وأن يجتهد الرأي وأن يفيد الناس بما علمه الله حتى لا يسأله الله عما فعل في أدبه وعلمه .. وحتى يشع على غيره نورا ومحبة وتقوى وصلاحا بالقول والفعل والقدوة الصالحة ولا يكون كأهل الكتاب الذين كتموا الحق ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ - إلى قوله - الرحيم ) ).. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق .. وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشبع بطنه .. ويحضر ما لا يحضرون .. ويحفظ ما لا يحفظون ..
وجاء في صحيح البخاري أيضا:
وعن إبراهيم قال: قال صالح بن كيسان: قال ابن شهاب: ولكن عروة يحدث عن حمران: فلما توضأ قال: ألا أحدثكم حديثا لولا آية ما حدثتكموه .. سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه .. ويصلي الصلاة .. إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها ) ). قال عروة: الآية: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ ... ) )..
وجاء في صحيح البخاري أيضا:
حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث .. والله الموعد .. ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا .. ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون .. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما: (لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه .. ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا) . فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري .. فوالذي بعثه بالحق .. ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا .. والله لولا آيتان في كتاب الله .. ما حدثتكم شيئا أبدا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ - إلى قوله - الرَّحِيمُ )) .
وبذلك تتجلى أمانة الإبلاغ للعلم والدين .. وأن المرء محاسب عن علمه ودينه .. وأن اللعنة التي تحل بكل مانع للعلم والدين واللعنة هي الطرد من رحمة الله ليست مقصورة على أناس دون أناس كما يبين السياق .. بل هي مسلطة على كل كاتم للعلم والفكر والأدب الحق .. مهما كان وفي كل زمان ومكان إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. قد يخطئ الإنسان وقد يكابر ويعاند .. وقد يستمر به التجاهل لحكم الله في الإبلاغ والدعوة وبذل الجهد والمال والعرق من أجل البيان بكل وسيله في إمكانه وتحت مسئوليته .. ولكن باب التوبة مفتوح .. للأوبة إلى رحاب الله العزيز الغفور .. الذي يعلم ما كمن في النفوس والصدور والعقل .. وما على كل ذي موهبة إلا أن يسعى لتقديم موهبته قبل فوات الأوان بالموت حيث لا ينفعه ندم .. (( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(160) ... ))..
إن الإصرار على الخطإ يبين ما في النفس من كفر .. وغبن للحق المبين .. وأكبر حق هو الله سبحانه وتعالى لأنه الحق الأكمل .. ولأنه حرم على نفسه الظلم .. ولأنه خلق الإنسان وبين له أسس التوحيد .. فلا يضل أبدا .. وكل إنسان يدرك فعلا أن الدين حق .. وانه بحاجة للدين للتوازن النفسي