فهرس الكتاب
.. ج 172: هذا السؤال متمم لما قبله وهو يبين لك كيف هداية الله تعالى لأهل السنة في هذا الباب، كما هداهم في سائر أمور الاعتقاد، وبيان ذلك أن يقال:
... مذهب أهل السنة والجماعة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى هو أن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
... الأول: الإرادة الكونية القدرية، وهي مرادفة للمشيئة وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء، فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواءً، فالطاعات والمعاصي كلها داخلة تحت هذه الإرادة، قال تعالى: ? وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مرد له ?، وقال تعالى: ? ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ?، وقال تعالى: ? فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء ?، وقال تعالى: ? ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ?، وغير ذلك.
... الثاني: الإرادة الشرعية الأمرية الدينية، وهي مرادفة للمحبة، وتتضمن ما يحبه الله ويرضاه، قال تعالى: ? يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ?، وقال تعالى: ? والله يريد أن يتوب عليكم ?، وقال تعالى: ? ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ?، وغير ذلك.
... فهذا من ناحية التقسيم والتدليل، وأما من ناحية التفريق بين الإرادتين فاعلم أن أهل العلم قد فرقوا بينهما بثلاثة فروق:
... الفرق الأول: أن الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة، أي أنها ليس كل شيء يخلقه الله كونًا يلزم أن يكون محبوبًا له، وهذا فيه رد لقاعدة الجبرية والقدرية، وهي قولهم: كل شيء يشاؤه فهو يحبه، وهذا الكلام ليس له مطلق الصحة، وأما الإرادة الشرعية فإن كل شيء أمر الله به شرعًا فإنه يحبه ويرضاه، فالكونية لا تستلزم المحبة، والشرعية تستلزم المحبة.