الرابع: أن ما ذُكر من الحديث يناقض مدلول الآية؛ فإن الآية تدل على الإنفاق في الزمانين اللذين لا يخلو الوقت عنهما، وفي الحالين اللذين لا يخلو الفعل منهما. فالفعل لابد له من زمان، والزمان إما ليل وإما نهار. والفعل إما سرًّا وإما علانية. فالرجل إذا أنفق بالليل سرًّا، كان قد أنفق ليلًا سرًّا. وإذا أنفق علانية نهارًا، كان قد أنفق علانية نهارًا. وليس الإنفاق سرًّا وعلانية خارجًا عن الإنفاق بالليل والنهار. فمن قال: إن المراد من أنفق درهمًا في السر، ودرهمًا في العلانية، ودرهمًا بالليل، ودرهما بالنهار - كان جاهلًا، فإن الذي أنفقه سرًّا وعلانية قد أنفقه ليلًا ونهارًا، والذي قد أنفقه ليلًا ونهارًا قد أنفقه سرًّا وعلانية. فعُلم أن الدرهم الواحد يتصف بصفتين، لا يجب أن يكون المراد أربعة.
لكن هذه التفاسير الباطلة يقول مثلها كثير من الجهال، كما يقولون: محمد رسول الله والذين معه (أبو بكر) أشدّاء على الكفار (عمر) رحماء بينهم (عثمان) تراهم ركّعًا سجّدًا (عليّ) يجعلون هذه الصفات لموصوفات متعددة ويعيّنون الموصوف في هؤلاء الأربعة.
والآية صريحة في إبطال هذا وهذا، فإنها صريحة في أن هذه الصفات كلها لقوم يتصفون بها كلها، وإنهم كثيرون ليسوا واحدًا، ولا ريب أن الأربعة أفضل هؤلاء، وكل من الأربعة موصوف بذلك كله، وإن كان بعض الصفات في بعض أقوى منها في آخر.
وأغرب من ذلك قول بعض جهّال المفسرين: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 1 - 3] إنهم الأربعة؛ فإن هذا مخالف للعقل والنقل. لكن الله أقسم بالأماكن الثلاثة التي أنزل فيها كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، وظهر منها موسى وعيسى ومحمد، كما قال في التوراة: جاء الله من طور سينا، وأشرق من ساعين، واستعلن من جبال فاران.
فالتين والزيتون: الأرض التي بُعث فيها المسيح، وكثيرًا ما تسمى الأرض بما ينبت فيها، فيقال: فلان خرج إلى الكرم إلى الزيتون وإلى الرمان، ونحو ذلك، ويُراد الأرض التي فيها ذلك، فإن الأرض تتناول ذلك، فعُبِّر عنها ببعضها.
وطور سينين حث كلّم الله موسى، وهذا البلد الأمين مكة أم القرى التي بُعث بها محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.
والجاهل بمعنى الآية، لتوهمه أن الذي أنفقه سرًّا وعلانية غير الذي أنفقه بالليل والنهار يقول: نزلت فيمن أنفق أربعة دراهم: إما عليّ وإما غيره، ولهذا قال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} لم يعطف بالواو، فيقول:"وسرًّا وعلانية"بل هذان داخلان في الليل