ورأى إمامًا قد بصق في قبلة المسجد، فعزله عن الإمامة، وقال: "إنك آذيت الله ورسوله" [1] .
وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء أرسل إليه يسأله عنه.
فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حياته يعلّم خلفاءه ما جهلوا، ويقوِّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا، ولم يكونوا مع ذلك معصومين، فعلم أنه لم يكن يجب عليه أن يولّي المعصوم.
وأيضًا فإن هذا تكليف ما لا يمكن، فإن الله لم يخلق أحدًا معصومًا غير الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم. فلو كُلِّف أن يستخلف معصومًا لكُلِّف ما لا يقدر عليه، وفات مقصود الولايات، وفسدت أحوال الناس في الدين والدنيا.
وإذا عُلم أنه يجوز - بل يجب - أن يستخلف في حياته من ليس بمعصوم، فلو استخلف بعد موته كما استخلف في حياته، لاستخلف أيضًا غير معصوم، وكان لا يمكنه أن يعلّمه ويقوِّمه كما كان يفعل في حياته، فكان أن لا يستخلف خيرًا من أن يستخلف.
والأمة قد بلغها أمر الله ونهيه، وعلموا ما أمر الله به ونهى عنه، فهم يستخلفون من يقوم بأمر الله ورسوله، ويعاونونه على إتمامهم القيام بذلك، إذا كان الواحد لا يمكنه القيام بذلك، فما فاته مِنَ العلم بيّنه له مَنْ يعلمه، وما احتاج إليه من القدرة عاونه عليه من يمكنه الإعانة، وما خرج فيه عن الصواب أعادوه إليه بحسب الإمكان بقولهم وعملهم، وليس على الرسول ما حُمِّلوه، كما أنهم ليس عليهم ما حُمِّل.
فعُلم أن ترك الاستخلاف من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعد الموت أكمل في حق الرسول من الاستخلاف، وأن مَنْ قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس.
(1) الحديث عن أبي سهلة السائب بن خلاّد رضي الله عنه في: سنن أبي داود 1/ 189 (كتاب الصلاة، باب في كراهية البُزاق في المسجد) ونصه: أن رجلًا أمَّ قومًا فبصق في القبلة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين فرغ:"لا يصلي لكم"فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال:"نعم"وحسبت أنه قال:"إنك آذيت الله ورسوله". والحديث في المسند (ط. الحلبي) 4/ 56.