فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 363

وهؤلاء فيهم من قاتل عليًّا، كطلحة والزبير، وإن كان قاتل عمّار فيهم فهو أبلغ من غيره.

وكان الذين بايعوه تحت الشجرة نحو ألف وأربعمائة، وهم الذين فتح الله عليهم خيبر، كما وعدهم الله بذلك في سورة الفتح، وقسَّمها بينهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على ثمانية عشر سهمًا، لأنه كان فيهم مائتا فارس، فقسَّم للفارس ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، فصار لأهل الخيل ستمائة سهم، ولغيرهم ألف ومائتا سهم. هذا هو الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة [1] ، وعليه أكثر أهل العلم، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقد ذهب طائفة إلى أنه أَسْهَم للفارس سهمين، وأن الخيل كانت ثلاثمائة، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة.

وأما عليّ فلا ريب أنه قاتل معه طائفة من السابقين الأوَّلين، كسهل بن حنيف، وعمّار بن ياسر. لكن الذين لم يقاتلوا معه كانوا أفضل؛ فإن سعد بن أبي وقاص لم يقاتل معه، ولم يكن قد بقي من الصحابة بعد عليّ أفضل منه. وكذلك محمد بن مسلمة من الأنصار، وقد جاء في الحديث: "أن الفتنة لا تضره" [2] فاعتزل. وهذا مما استُدل به على أن القتال كان قتال فتنة بتأويل، لم يكن من الجهاد الواجب ولا المستحب.

وعليّ - ومن معه - أولى بالحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" [3] فدلّ هذا الحديث على أن عليًّا أولى بالحق ممن قاتله؛ فإنه هو الذي قتل الخوارج لَمّا افترق المسلمون، فكان قوم معه وقوم عليه. ثم إن هؤلاء الذين قاتلوه لم يُخذلوا، بل ما زالوا منصورين يفتحون البلاد ويقتلون الكفّار.

وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" [4] قال معاذ بن جبل:"وهم بالشام".

وفي مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين حتى تقوم الساعة" [5] قال أحمد بن حنبل وغيره:"أهل الغرب هم أهل الشام".

وهذا كما ذكروه؛ فإن كل بلد له غرب وشرق، والاعتبار في لفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم بغرب مدينته، ومن الفرات هو غرب المدينة، فالبيرة [6] ونحوها على سمت المدينة، كما أن حرّان [7] والرَّقَّة [8] وسُمَيْسَاط [9] ونحوها على سمت مكة. ولهذا يُقال: إن قبلة هؤلاء أعدل القبل، بمعنى أنك تجعل القطب الشمالي خلف ظهرك، فتكون مستقبل الكعبة، فما كان

(1) انظر تفسير ابن كثير للآية (ط. الشعب) 7/ 308 - 309 وقد ذكر الأحاديث الواردة في هذا الأمر. وسبق الحديث فيما مضى ص 61.

(2) الحديث في سنن أبي داود 4/ 300 (كتاب السنة، باب النهي عن سب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) .

(3) الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: مسلم 2/ 745 - 746 (كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم) ، سنن أبي داود 4/ 300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) ، المسند (ط. الحلبي) 3/ 32، 48.

(4) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن المغيرة بن شعبة، وعقبة بن عامر، وثوبان، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم - رضي الله عنهم - في أربعة مواضع في: البخاري 4/ 85 (كتاب فرض الخمس، باب فإن لله خمسه) ، 4/ 207 (كتاب المناقب، باب حدثني محمد بن المثنى، حدثنا معاذ باب رقم 28) 9/ 101 (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم) 9/ 136 (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء} .

والحديث في: مسلم 1/ 137 (كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم) ، 3/ 1523 - 1525 (كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... ) .

وسنن أبي داود 3/ 8 (كتاب الجهاد، باب في دوام الجهاد) وهو عن عمران بن حصين رضي الله عنه، 4/ 138 - 139 (كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها) .

وسنن الترمذي (3/ 342(كتاب الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين) ، والحديث في سنن ابن ماجه والدارمي ومواضع كثيرة في مسند أحمد.

(5) الحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في: مسلم 3/ 1525 (كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة .. ) . قال النوري في شرحه على مسلم 14/ 68؛ ( .. وقال معاذ: هم بالشام، وجاء في حديث آخر: هم ببيت المقدس. وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك) .

(6) قال ياقوت في"معجم البلدان":"البيرة في عدة مواضع منها بلد قرب سُمَيْساط بين حلب والثغور الرومية، وهي قلعة حصينة".

(7) قال ياقوت في"معجم البلدان":"هي مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور وهي قصبة ديار مضر، بينهما وبين الرُّها يوم وبين الرقة يومان".

(8) قال ياقوت:"الرّقّة: بفتح أوله وثانيه وتشديده .. وهي مدينة مشهورة على الفرات بينها وبين حرّان ثلاثة اثام، معدودة في بلاد الجزيرة، لأنها من جانب الفرات الشرقي".

(9) قال ياقوت في"معجم البلدان":"سُمَيْسَاط: بضم أوله وفتح ثانيه ثم ياء من تحت ساكنةوسين أخرى ثم بعد الألف طاء مهملة، مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت