ومما يبيّن ذلك أن أزواج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مذكورات في الآية، والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه، ووعد الثواب على فعله، والعقاب على تركه. قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 30 - 32] إلى قوله: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .
فالخطاب كله لأزواج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد. لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمّهن وتعمّ غيرهن من أهل البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره، وليس مختصًّا بأزواجه، بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك، ولذلك خصّهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالدعاء لهم.
وهذا كما أن قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] نزلت بسبب مسجد قُباء، لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو مسجد المدينة.
وهذا يوجّه ما ثبت في الصحيح عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سُئل عن المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال:"هو مسجدي هذا" [1] .
وثبت عنه في الصحيح أنه كان يأتي قُباء كل سبت ماشيًا وراكبًا، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي قباء يوم السبت [2] . وكلاهما مؤسس على التقوى.
(1) الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: سنن الترمذي 4/ 344 (كتاب تفسير القرآن، سورة التوبة حديث رقم 5097) ونصه: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هو مسجدي هذا". قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح، وقد روي هذا عن أبي سعيد من غير هذا الوجه .."والحديث في سنن النسائي 2/ 30 (كتاب المساجد، باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى) ؛ المسند (ط. الحلبي) 3/ 8، 5/ 116، 331، 335."
(2) الحديث عن عبد اله بن عمر رضي الله عنهما في: البخاري 2/ 61 (كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت) ونصه:"كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان عبد الله رضي الله عنه يفعله". وجاء ذلك ضمن حديث في الباب الذي قبله (باب مسجد قباء) 2/ 60 - 61. والحديث في: مسلم 2/ 1017 (كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء ... ) .