وهذا الحديث لم يرو في شيء من كتب العلم المعتمدة أصلًا، وإنما يروي مثل هذا من يحطب بالليل، كالثعلبي وأمثاله، الذين يروون الغث والسمين بلا تمييز.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهم المرجوع إليهم في هذا. وهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها [1] .
الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيّة باتفاق أهل السنة، بل جميع آل حم مكيّات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليًّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد؟!.
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك. ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] ، فقلت: أن لا تؤذوا محمدًا في قرابته. فقال ابن عباس: عجلتَ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم قرابة، فقال: لا أسألكم عليه أجرًا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم [2] .
فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد عليّ، يقول: ليس معناها مودة ذوي القربى، لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولًا أن يصلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلّغ رسالة ربه [3] .
(1) لم أجد هذا الحديث.
(2) الحديث مع اختلافي الألفاظ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في: البخاري 4/ 178 - 179 (كتاب المناقب، باب يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) ، 6/ 129 (كتاب التفسير، سورة الشورى) ، المسند (ط. المعارف) 3/ 320 - 321، 4/ 205.
(3) قال ابن الجوزي في"زاد المسير"7/ 284 - 285:"ثم في المراد بقرابته قولان: أحدهما: عليّ وفاطمة وولداها. وقد رووه مرفوعًا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم". وقال محقق الكتاب تعليقًا على ذلك:"قال السيوطي في"الدر"6/ 7: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} . قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها."
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في"تخريج الكشاف"وقال: في سنده حسين الأشقر ضعيف ساقط. قال: وقد عارضه ما هو أولى منه؛ ففي البخاري من رواية طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال ابن عباس: عجِلتَ، إن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ... الحديث.