وظيفة العقل إذن ليست في البحث عن أصول الدين بمعزل عن الوحي ، وإنما تنحصر بتعقل ما جاء به الوحي واعتقاده ، والتيقن من كونه مما تستسيغه العقول السليمة ، وأنه ليس هناك من تناقض فيه ، وإقامة الأدلة على ذلك سواء كانت الأدلة عقلية أم نقلية.
أما أن يستقل العقل بإيجاد الأصول الاعتقادية التي لم يأت بها الوحي فغير معقول للأسباب التي ذكرناها .
أدلة القرآن عقلية بحتة
إن الأدلة التي يبرهن بها القرآن على صحة مراده هي أدلة عقلية بحتة تقسر العقل السليم على الإذعان لها ، والتسليم بصحة مرادها . أقرأ مثلًا قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } (آل عمران:190) ، أو قوله: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } (الطور:35) ، أو قوله: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله إذن لذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } (المؤمنون:91) ، أو قوله عن نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -: { ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين } (الحاقة:44-46) . أو قوله: { وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } (البقرة:23) .
حجج القرآن لا تنفع الزائغين
وهنا ينقسم الناس إلى فريقين: فريق جعل الحق وجهته وإدراكه غايته، فهذا هو الذي ينتفع به إذا تليت عليه حجته، كما قال تعالى: { ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } (البقرة 1،2) . فالمتقون وحدهم هم الذين يهتدون به ، وهم المعنيون بقوله: { ويهدي به كثيرا } (البقرة:26) .
وفريق غايته نصرة وجهته هو، أو مذهبه أو شيخه أو طائفته أو عشيرته ، فيجعل من القران وسيلة لأغراضه وأهوائه ، فهذا لا يمكن ان ينتفع بآياته ودلائله كما قال تعالى: { وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } (يونس:101) ، وهم المعنيون بقوله: { يضل به كثيرا } (البقرة:26) .