لقد تبين لنا من الفصل السابق بما لا يقبل الشك أن قضايا الاعتقاد الكبرى ومهمات الدين واساسياته العظمى لا بد لإثباتها من الادلة القرآنية الصريحة القطعية الدلالة على المعنى المطلوب كدلالة قوله تعالى: { الله لا اله الا هو الحي القيوم } على التوحيد ، ودلالة { محمد رسول الله } على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ودلالة قوله تعالى: { أقيموا الصلاة } على فرضية الصلاة ومشروعيتها. ولا يصح ان تؤسس هذه الامور المهمة على الادلة الظنّية المشتبهة وإلا تطرق الشك الى أساس الدين لقيامه على الظنّيات وابتنائه على المتشابهات المحتملات، وذلك منهي عنه بصريح قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } (آل عمران:7) . فاشترط الله جل وعلا لإقامة دينه الآيات المحكمات الواضحات التي لا اشتباه فيها ولا احتمال كالآيات التي استشهدنا بها على التوحيد والنبوة والصلاة وهي (أم الكتاب) ومرجعه وأصله المعتمد الذي يرد اليه ما تشابه وتطرق إليه الظن والاحتمال.
أما من اعتمد على الآيات المتشابهات المحتملات فهو من الزائغين الذين { يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } .
وقال تعالى ايضًا: { وما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئًا } (النجم:28) . فالدليل الظنّي لا يصح الاعتماد عليه لأنه لا يفيد العلم . واذن لا بد ان يكون الدليل قطعيًا في دلالته. فيسقط الاستدلال بكل الادلة الظنّية المشتبهة . ولذلك قال الاصوليون: (الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال) .