فاستجاب منهم من استجاب ، ومن لم يستجب قال لهم: (لكم علينا ان لا نمنعكم مساجدنا ولا نمنعكم فيئكم ما دمتم تقاتلون معنا ما لم تحدثوا حدثًا) . ولم يستحل قتلهم حتى بدءوا هم بالفساد والإفساد وسفك الدم الحرام ، فقاتلهم دفعا لشرهم ولم يأخذ أموالهم غنائم ، ولم يسب نساءهم إماءً ، بل قاتلهم قتال بغاة المسلمين . وهذا ثابت عند أهل
السنة. ولكن إليك شواهده من (نهج البلاغة) نفسه:
* (لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) [1] .
ولو كانوا كفارًا لما نهى عن قتالهم او قتلهم ، ولما جعلهم متأولين لا متقصدين الوقوع في الخطأ واعتذر لهم بأنهم طلبوا الحق فأخطأوه !
* وقال حين ضربه ابن ملجم: (إن أبقَ فأنا ولي دمي . وإن أفنَ فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة فاعفوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم) [2] . فلو كان - رضي الله عنه - يعتقد أن قاتله كافر لأمر بقتله لأنه مرتد ، والمرتد يجب قتله لا سيما وهو مصر على ما به حصل الارتداد ، مقيم على ما هو عليه من المخالفة والقول بتكفير خصمه. فهذا حكمه - رضي الله عنه - في قاتله فكيف بمن دونه ؟!!
* بل سمى الخوارج مسلمين صراحة، ونهى عن الخوض في دمائهم. وذلك حين أوصى أولاده وأولياء دمه عندما ضربه ابن ملجم قائلًا: (يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتل بي إلا قاتلي) [3] .
* وقال رجل من الخوارج مشيرا إليه - رضي الله عنه -: قاتله الله كافرا ما
أفقهه! فوثب القوم ليقتلوه فقال:(رويدًا ... إنما هو سب بسب
أو عفو عن ذنب) [4] . فنهى عن قتل من سبه ونطق بتكفيره في وجهه ، ومع ذلك يحلم عليه ويبين لأصحابه أن ما فعله لا يستحق القتل ! ولو كان هذا الخارجي كافرًا لوجب عليه قتله كما مر بنا.
(1) نهج البلاغة: 1/108.
(2) ايضًا 3/21
(3) ايضا: 3/77.
(4) ايضًا: 95 ،99.