فسمى معاوية ومن معه (إخوانه في الإسلام) رغم قتالهم إياه؛ لأنه يعلم أن هذا القتال إنما هو قتال الطائفتين المؤمنتين الذي قال الله فيه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...) فسماهم مؤمنين رغم اقتتالهم ثم قال مبينًا الواجب المتعين على الأمة في مثل هذه الحالة: (...فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ...) فسماهم مؤمنين كذلك رغم حصول البغي من بعضهم ، وأضفى عليهم وصف (الأُخوة) . وهذا ما عناه علي بقوله: (ولكنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام) . ثم قال تعالى: (...فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 9،10) . فهم -وإن قاتل بعضهم بعضًا وبغى بعضهم على بعض- إخوة مؤمنون يجب على الأمة أن تصلح بينهم. ولهذا كان سيدنا علي يدعو ويقول:
* (اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به) [1] .
ولا يقال عن الكفار: (اللهم احقن دماءنا ودماءهم) . والضلالة لا تستلزم الكفر فإن كل كفر ضلالة وليس كل ضلالة كفرا كما قال تعالى عن شهادة المرأتين: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (البقرة:282) . وقال مخاطبا نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (ووجدك ضالا فهدى) (الضحى:7) .
والحاصل أنّ سيدنا عليا وصف من قاتله في صفين بأنهم إخوانه في الإسلام ولو كانوا كافرين لما صح منه هذا الوصف لهم.
(1) أيضًا 2/185-186