فهرس الكتاب
ويحدثني رجل فاضل من أهل نينوى، قاض متدين. كان أسيرًا في زنازين الموت في إيران: في يوم عيد ذهبت إلى المصلى. اتخذت فيه ناحية منزوية؛ عسى أن لا يرى الحارس ما أصنع. كنت أحتفظ بصورة قديمة للأهل والأولاد. أخفيها، وأديم وسائل إخفائها حذرًا من انكشاف أمرها؛ فتكون الواقعة والجريمة والعقاب الشديد! فتحت القرآن، دسستها بين أوراقه، وتظاهرت بالقراءة، علني أمتع ناظري برؤية أحبابي، الذين لم يبق لي صلة معهم إلا هذه الصورة القديمة العزيزة. ومن خلال النظر والتأمل فيها، والتنقل من وجه إلى وجه، وحبيب إلى حبيب، كنت أؤدي مراسيم العيد تجاه أؤلئك الأحباب الذين انقطعت أخبارهم، ولا أدري أين هم الآن؟ ولا ماذا حصل لهم؟ والظاهر أني نسيت نفسي؛ فرحت مع مشاعري. ولم أنتبه لعيون الرقيب، حتى وقف فوق رأسي، ورأى ما رأى!!! لم يرع حرمة للمسجد، ولم يحترم كتاب الله بين يدي، وهو يتناولني ركلًا بأقدامه، وضربًا بيديه. وأخذ الصورة ومزقها.. عفوًا مزق قلبي معها.
كان الرجل يحدثنا ونحن في ندوة في أحد المساجد في الموصل، والعبرات تنساب من عينيه.
قال: ورأيت رجلًا كبير السن أجبره الحرس على أن يمشي على أربع كالحيوان، وشاب يمتطيه، وهو ينوء به. أتدري من ذلك الشاب؟ إنه ابنه!!!!!!!!!!!
وسمعنا من القصص ما تشيب لها الولدان! أجروا لأحدهم عملية بواسير. لكنهم أزالوا له عضلات المستقيم؛ فصار لا يسيطر على خروجه. وكثيرًا ما تندلق فضلات أمعائه على ثيابه. وهو شاب قروي. لم يتحمل الحالة. قال لي صاحبه الذي يحدثني بقصته: كنا نتمشى عصر يوم وحيدين في باحة للسجن أخرجونا إليها. كان يحدثني عن أولاده الذين تركهم صغارًا، ويذكر شوقه إليهم. وفجأة قال لي: فلان! أنا اليوم سأموت! ووجدناه بعد ساعات قد شنق نفسه في شباك التواليت!
وآخر قام الحرس باغتصابه؛ فكانت تنتابه حالات هستيرية، وغضب، وصراخ. حتى صعد إلى مرتفع وألقى بنفسه منه ومات.