فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 218

و أقول: حسب علمي و موقفي إنه لا يصح تسمية المعتزلة بأنهم فلاسفة الإسلام؛ و الصحيح أنهم فلاسفة المعتزلة، و فلاسفة الاعتزال، و فلاسفة المذهب المعتزلي، و هم أيضا فلاسفة من المتكلمين. و أما لماذا ليسوا فلاسفة الإسلام، فكتابنا هذا هو إجابة مفصلة و رد على عدم صحة تسمية هؤلاء بذلك الاسم. إنهم قوم انحرفوا عن الإسلام منهجا و تطبيقا، و جعلوه تابعا لأهوائهم و ظنونهم، و حرّفوه و أفسدوه أكثر مما أفادوه بنسبة كبيرة جدا. فقوم هذا حالهم لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكونوا فلاسفة الإسلام. و من يُصر على كونهم فلاسفة الإسلام، فهو إما جاهل لا يعي ما يقول، و إما أنه صاحب هوى يعمل لتحقيق غايات في نفسه، أو أنه منهم يعتقد بمذهبهم، و من ثم فهو يُدافع عن نفسه و فكره. لكن قولي هذا لا يعني أنه لا يُمكن أن يُوجد للإسلام فلاسفة، كما قد يتصوّر بعض الناس. بل إنه كما كان للإسلام فقهاء، و أدباء، و محدثون، و مؤرخون، و مفسرون، فإنه يُمكن أن يكون للإسلام فلاسفة إذا وُجد فلاسفة مسلمون يلتزمون بالإسلام منهجا و تطبيقا، قلبا وقالبا. و هذا النموذج الرفيع - مع قلته- وُجد فعلا في تاريخنا الإسلامي، لكنه لم يُوجد في المدرسة الاعتزالية، و لا في الفرق المُتأثرة بها، و لا بين الفلاسفة المسلمين، و إنما وُجد في مدرسة أهل الحديث. و يُمكن ذكر طائفة منهم من باب التمثيل لا الحصر، منهم: ابن شاقلا الحنبلي البغدادي، و أبو نصر السجزي، و ابن تيمية، و ابن قيم الجوزية. فهؤلاء لهم مًصنفات تشهد لهم على تمكنهم من علم الكلام، و على تمسكهم بالمنهج الكلامي السليم القائم على الوحي الصحيح و العقل الصريح.

و الموقف الخامس مضمونه أنه قد يتهمنا بعض أهل العلم بأننا أهملنا تميز الفكر الاعتزالي بأنه فكر حر يدعو إلى التحرر. حتى أن الباحث عادل العوا يرى أن الاعتزال هو فكر حر يتوخى الدفاع عن الدين، و تحرير العقل الإنساني من السلطان الخارجي [1] .

و أقول: الحقيقة هي أن الأمر على خلاف ما قاله الرجل، لأن الأصل في فكر المعتزلة انه مخالف للشرع الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و أي فكر هذا حاله لا يُمكن أن يكون فكرا حرا، و لا مُحررا للعقل الصريح، و لا مدافعا حقيقيا عن الوحي الصحيح، و لا العلم الصحيح. و نحن قد سبق أن أقمنا الأدلة القاطعة على فساد معظم أصول

(1) عادل العوا: المعتزلة و الفكر الحر، ط 1، دار الأهالي، دمشق، ص: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت