فكر المعتزلة و فروعه. و عليه أن الفكر الاعتزالي ليس مُحررا للعقل ولا للدين، و إنما هو في غالبه أغلال و انحرافات و ظنون و أهواء، و ظلمات و أباطيل. و هو في حقيقته إخراج للفكر من أن يكون قائما على الوحي و العقل، إلى أن يكون قائما على الأهواء و الظنون. فهو في غالبه قد خالف مبادئ الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و كبّل نفسه بأغلال أهوائه و شياطينه، و ظنونه و أوهامه فهو في الحقيقة لم يتحرر و لا دعا إلى التحرر، و لا كان فكرا حرا. و عليه إنه من الجريمة أن يوصف الفكر المعتزلي بأن من أهم خصائصه أنه فكر حر تنويري، فهذا تخريف و تحريف، و تغليط و افتراء، و جريمة كبرى في حق العقل و العلم. فليس له من ذلك إلا القليل، و الأصل أنه ليس حرا و لا عقلانيا.
و الموقف السادس مفاده أن الباحث قدري حافظ طوقان مدح المعتزلة بأنهم كانوا (( دعاة عقيدة، و قادة الحرية في الرأي، و من أعظم المصلحين الدينيين الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري. قالوا بسلطان العقل و آمنوا به، فأطلقوا له العنان و جعلوه حكما في كل شيء ... ) ) [1] .
و أقول: كلامه هذا غير صحيح في معظمه، و فيه غلو كبير في تعظيم المعتزلة و مدحهم و تبجيلهم، و وصفهم بما ليس فيهم. فقد تبين بالأدلة الدامغة أن المعتزلة خالفوا الشرع و العقل و جنوا عليهما جنايات كبرى، و لم يكونوا قادة للفكر الحر و لا للإصلاح، و إنما كانوا رجال أهواء و ظنون، و سفاسطة في أكثر أصولهم، و ضيعوا معظم جهودهم في التحريف و التلبيس، و مخالفة الشرع و العقل. و تبين بالأدلة الدامغة أن معظم أصولهم لم يحتكموا فيها إلى الشرع و لا إلى العقل من جهة، و قد قام الدليل القطعي على أنهم كانوا خُصوما للعقل و الشرع في أكثر أصولهم من جهة أخرى. و نحن هنا لا نتوسع في الرد التفصيلي على مزاعم الرجل، لأن ما ذكرناه في كتابنا هذا هو رد مُفصل و دامغ على بطلان مزاعمه.
و الموقف السابع مضمونه أن الجاحظ يرى أنه لولا: (( الكلام لم يَقُم لله دين، ولم نبنْ من الملحدين، ولم يكن بين الباطل والحقّ فرق، ولا بين النبي والمتنبِّي فصل، ولا بانت الحُجة من الحيلة، والدليل من الشُّبهة.
ثم لصناعة الكلام مع ذلك فضيلةٌ على كلِّ صناعة، ومزيّةٌ على كل أدب.
(1) قدري حافظ طوقان: مقام العقل عند العرب، دار القدس، بيروت، ص: 78.