ولذلك جعلوا الكلام عيارًا على كلِّ نظر، وزمامًا على كلِّ قياس. وإنما جعلوا له الأمور وخصُّوه بالفضيلة لحاجة كلِّ عالم إليه، وعدم استغنائه عنه )) [1] .
و أقول: واضح من كلامه أنه يقصد كلام المعتزلة أساسًا، و هو قول باطل في معظمه، و فيه تحريف و غلو، و تغليط و تلبيس. لأنه أولا إن ما ذكرناه في كتابنا هذا في نقد فكر المعتزلة هو دليل قاطع على بطلان مزاعم الرجل التي وردت في كلامه هذا. و دين الله تعالى يحمل قوته و براهينه و آياته من داخله، و لا يحتاج أبدا إلى كلام المعتزلة ليُقيم نفسه، ولا ليرد على خصومه. و الشاهد القاطع على ذلك أن دين الإسلام انتصر على خصومه من المشركين، و أهل الكتاب و الدهريين و غيرهم من أهل الكفر، و رد على شبهاتهم و مفترياتهم قبل أن يظهر المعتزلة، و ظل كذلك حتى بعد ظهورهم. و ما يزال كذلك إلى يومنا هذا من دون أن يحتاج إلى كلمة واحدة من مذهب المعتزلة، بل هو أول من ينقض مذهبهم، فكيف يُقال أنه يحتاج إلى مذهب المعتزلة؟؟!!. فهاهي حُجج القرآن و معجزاته و براهينه ما تزال قائمة ترُد على كل كافر و ملحد و ضال، و لن يستطيع أحد منهم أن يرد حججه بالعقل، و لا بالعلم، و إنما قد يُرد عليه بالتعصب و الجحود و الهوى. و هذه الوسائل ليست علما و لا براهين، و إنما هي أهواء و ظنون و أباطيل من جهة، و هي من وسائل الضعفاء و الفاشلين و المهزومين المتعصبين الذين ينكرون حقائق الشرع بأهوائهم و ظنونهم من جهة أخرى.
و ثانيا إن الحق قد بان و تميز عن الباطل منذ أن ظهر الإسلام، قال سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة 256 - ،و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} النساء 174 - ،و {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} الإسراء:88 - . و قد أقام الشرع الأدلة القاطعة التي تبين الفرق النبي و المتنبي، و عرف الناس ذلك قبل المعتزلة. و واضح من قوله أيضا أن زعمه هذا فيه طعن في الشرع أولا، و في الصحابة و التابعين و كل المسلمين قبل ظهور المعتزلة ثانيا. لأنه يعني أن الأمة كانت في جهل و ظلام، و لا علم لها
(1) الجاحظ: رسائل الجاحظ، الرسالة ج 1، ص: 63.