و أقول: قوله هذا ظاهر البطلان، و لا نتوسع في رده و إبطاله هنا، لأنه سبق أن بيناه في نقدنا لمذهب المعتزلة. لكن الذي أقوله هنا هو أن المعتزلة يمدحون أنفسهم بما ليس فيهم من جهة، و يُبجلونها بأخطائهم و أباطيلهم من جهة أخرى. فليس صحيحا أن المعتزلة أحيوا السنة النبوية الصحيحة الموافقة للقرآن الكريم، و إنما هم في الغالب أحيوا سنة المنحرفين أمثالهم من القدرية، و الجبرية، و الجهمية، و الشيعة. و ليس صحيحا أن التوحيد الشرعي كان مُكتتما و مُستخفيا فأظهره المعتزلة، فهذا تحريف و افتراء مفضوحين. و إنما الصحيح خلاف ذلك تماما، هو أن المعتزلة هم الذين عملوا على تحريف توحيد دين الإسلام و طمسه بمنهجهم الفاسد. فالحقيقة هي أن المعتزلة كانوا حربا على التوحيد الصحيح: قرآنا و سنة، و كانوا دعاة للتعطيل و النفي، و التأويل الفاسد. و حاربوا التوحيد الصحيح و نصروا توحيد الجهمية و المعطلة و النفاة.
و الموقف التاسع يتضمن تساؤلا مؤداه: لماذا اهتم العلمانيون و أمثالهم بالمعتزلة، مع أنه يُوجد فيهم تدين و اهتمام بالدين، و قد سموا أنفسهم بأهل التوحيد، و العلمانيون و إخوانهم يرفضون الدين عامة و الإسلام خاصة؟؟!!.
و أقول: إن هؤلاء اهتموا بالمعتزلة و مجدوهم، و غالوا في فكرهم، بسبب ما كانوا عليه من انحراف كبير في موقفهم من العقل و الشرع معا، و ما ترتب عن ذلك من نتائج خطيرة و مُحرفة لدين الإسلام. ثم هم الآن لم يأخذوا من المعتزلة تدينهم و لا اهتموا بهم لذلك، و إنما اهتموا بهم بسب منهجهم لأنه في صميمه منهج علماني موافق لعلمانيتهم من حيث الأصل، كما سبق أن بيناه. فهؤلاء العلمانيون فعلوا ذلك ليتقووا به، و يستخدمونه وسيلة لتحريف الإسلام، و للدعوة لعلمانيتهم من خلال الاهتمام بالمعتزلة و مذهبهم. فهو اهتمام بالماضي من أجل مصالحهم في الحاضر و المستقبل.
و من جهة أخرى فأنه من الطبيعي أن يقف أعداء الإسلام من أهل الكتاب و العلمانيين و أمثالهم بجانب الفرق الإسلامية المنحرفة عن الشرع، لأمرين أساسيين: الأول هو أن كل مذهب و فكر يعمل على إفساد دين الإسلام، فإن هؤلاء يُؤيدونه و يمدحونه، لأنه في النهاية يصب في تيارهم و موقفهم الرافض و المعادي لدين الإسلام. و الأمر الثاني هو أن الكافرين بدين الإسلام يرون و يحسون أن الفَرق الإسلامية المنحرفة عن