انتشروا تصدوا لهم بقوة و ردوا عليهم ردودا حاسمة، وفق منهجي صحيح قائم على الوحي الصحيح و العقل الصريح، سبق أن ذكرنا نماذج منه ليس هنا مجال تفصيلها [1] .
و أما قوله بأن ظهور واصل ابن عطاء و أمثاله كان أمرا ضروريا لا بد منه؛ فهو قول باطل، و حتمية زائفة. لأن ظهور الرجل هو أمر مُمكن فقط، و لا حتمية في ظهوره، و الرد على أهل الذمة لا يتوقف على ظهور هؤلاء. و قد سبق أن بينا أن أهل السنة كانوا قادرين على الرد على أية طائفة، فهم كما ردوا على السبئية و الجهمية و الخوارج و القدرية، كانوا قادرين أيضا على الرد على أهل الكتاب و غيرهم من أهل الذمة، و لا يُوجد أي مانع شرعي، و لا عقلي، و لا علمي يمنعهم من ذلك. و كما أن ظهور واصل بن عطاء كان مُمكنا و ليس حتميا، فإن رد واصل على مخالفيه من الفرق بمنهجه الاعتزالي لم يكن حتميا و لا ضروريا، فقد كان في مقدوره لو اتبع الشرع الصحيح و العقل الصريح أن يرد عليها بمنهج صحيح شامل سليم قوي، و لا يرد عليها بمنهجه الاعتزالي القاصر الضعيف، و المنحرف و الفاسد في معظم أصوله.
و فيما يخص قوله: (( إن السلف من التابعين كانوا معتصمين بالكتاب و السنة، و لا يبحثون عن العلم في غيرهما حتى أنهم قالوا: (( العلم ثلاثة: آية محكمة، و حديث مُسند، و لا أدري ) ). فإن الحقيقة ليست كما فهم الرجل، لأن تلك المقولة لم يذكر الرجل من أين أخذها لنتأكد من قائلها و مصدرها. و قد بحثتُ عنها كثيرا في ألاف المصادر الإسلامية بواسطة الحاسب الآلي فلم أعثر لها على ذكر و لا على أثر. و إذا فرضنا جدلا أنها ثابتة عن بعض السلف، فهي لا تُعبر عن موقف جماعي للسلف من العلم و أنواعه و مصادره كما زعم الرجل بأن السلف قالوا بتلك المقولة، و إنما هي تمثل رأيا لبعضهم من جهة، و هي لم تنف وجود علوم أخرى، و إنما عبرت عن موقف صاحبها من العلوم التي يُفضلها من جهة أخرى.
و الشواهد الدالة على خطأ ما أراد الرجل أن يقوله كثيرة جدا، أذكر منها ثلاثة فقط: أولها هو أن القرآن الكريم مملوء بالآيات التي تحث على طلب العلوم النافعة، و استخدام كل قدرات الإنسان العقلية و البدنية لتسخير كنوز الطبيعة و خيراتها لصالح الإنسان، كقوله تعال: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي
(1) عن ذلك أنظر بحثنا: منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمين- أسسه و تطبيقاته-، و البحث منشور إلكترونيا.