السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الجاثية 13 - ،و {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} يونس 101 - . و منها آيات كثيرة تأمر بإتباع المنهج العلمي الصحيح القائم على الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} الحج 8 - ،و {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} الإسراء 36 - ، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ} آل عمران 137 - ، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} العنكبوت 20 - . و بما أن الأمر كذلك و السلف الصالح كانوا مُلتزمين بالوحي فلا يُمكن أن يكونوا قد حصروا العلم فيما ذكرته تلك المقولة.
و الشاهد الثاني مفاده أن الناظر في العلوم التي ورثناها عن السلف يجدها كثيرة و متنوعة و ليست محصورة في العلم الذي ذكرته تلك المقولة، و فيها كثير من المناظرات و الاجتهادات، و التحليلات الدقيقة، و التحقيقيات و التمحيصات العلمية. نجدها في كتب الفقه، و التفسير، و علم الجرح و التعديل، و السيرة و التاريخ، و علم علل الحديث، و أصول الدين، و اللغة و الآداب.
و الشاهد الثالث مضمونه أن تراث السلف العلمي تضمن نماذج رائعة من المناظرات و النصوص و المناقشات التي تشهد لكبار علماء أهل السنة بأنه كانت لهم نظرات و تحليلات، و مواقف ومناقشات و ردود في علم الكلام و أصول الدين، ردوا بها على مخالفيهم، و تشهد لهم على معرفتهم بمقالات فرق عصرهم من جهة، و على قدرتهم على الرد العلمي الصحيح القائم على الوحي الصحيح و العقل الصريح، و العلم الصحيح. أذكر منها أربعة نماذج فقط من باب التمثيل لا الحصر، أولها المناظرة التي دارت بين أبي حنيفة النعمان و بعض الدهريين، و قد سبق ذكرها فلا أُعيدها هنا.
و النموذج الثاني يتعلق برد للأديب المحدث أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي (ت 224 هـ) ، رد فيه على الجهمية في موقفهم من مسألة خلق القرآن، فقال: (( إذا قال لك الجهمي أخبرني عن القرآن، أهو الله أم غير