الله؟، فإن الجواب أن يُقال: أحلت - من المحال- في مسألتك، لأن الله وصفه-أي القرآن- بوصف لا يقع عليه في مسألتك، قال الله: {الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} السجدة:1 - 2 - ، فهو من الله، و لم يقل هو أنا و لا هو غيري، و إنما سماه كلامه، فليس عندنا غير ما حلاه، و ننفي عنه ما نفى عنه )) ، ثم قال: (( فإن قالوا أرأيتم قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - ، فالقرآن شيء فهو مخلوق، قيل له: ليس قول الله يُقال له شيء، ألا تسمع كلامه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - ، فأخبرك أن القول كان منه قبل الشيء، فالقول من الله سبق الشيء، و معنى قوله كن، أي كان في علمه أن يُكوّنه ) ) [1] .
و النموذج الثالث يتعلق بمناظرة جرت بين الفقيه عبد العزيز الكِناني (ت 240 هـ) و جهمي، في مسألة علو الله تعالى، فقال الجهمي: (( أَخبِرني كيف استوى على العرش؟، أهو كما يُقال استوى فلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلانا وحده إذا كان عليه، فيُلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده و كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا ) )، فردّ عليه الكِناني بقوله: أما قولك كيف استوى، فإن الله لا يجري عليه كيف استوى؟،و يجب على المؤمنين أن يُصدّقوا ربهم باستوائه على العرش، و يحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يُخبرهم كيف ذلك، و لم تره العيون في الدنيا لتصفه حسب ما رأت، و هو تعالى قد حرّم عليهم أن يقولوا عليه بلا علم، لذا فهم آمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله )) [2] .
ثم قال له: (( و لكن يُلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله محدود، و قد حوته الأماكن، إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن، لأنه لا يُعقل شيء في مكان إلا و المكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، و الماء في الجب، فالبيت قد حوى فلانا، و الجب قد حوى الماء، و يُلزمك أشنع من ذلك، لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى، و ذلك أنهم قالوا: إن الله عزّ و جلّ حلَّ في عيسى، و عيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، و أنتم تقولون: إنه في كل مكان، و في بطون النساء كلهن و بدن عيسى، و أبدان الناس كلهم. و يُلزمك أيضا أن تقول: إنه في
(1) عبد الله بن أحمد: السنة، ص: 34 - 35.
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج 2 ص: 163.