أجواف الكلاب و الخنازير لأنها أماكن، و عندكم أن الله في كل مكان، تعالى عن ذلك علوا كبيرا )) [1] .
ثم قال الجهمي -دفاعا عن رأيه-: (( أقول: إن الله في كل مكان، لا شيء في شيء، و لا كالشيء على الشيء، و لا كالشيء خارجا عن الشيء، و لا مباينا للشيء ) )، فردّ عليه الكِناني بقوله: (( فيُقال له: أصل قولك القياس و المعقول، فقد دللّت بالقياس و المعقول أنك لا تعبد شيئا، لأنه لو كان شيئا داخلا فمن القياس و المعقول أن يكون داخلا في الشيء أو خارجا منه، فلما لم يكن- أي الله تعالى- في قولك شيئا، استحال أن يكون كالشيء في الشيء، أو خارجا من الشيء، فوصفت لعمري ملتبسا لا وجود له، و هو دينك و أصل مقالتك التعطيل ) ) [2] .
و النموذج الأخير- الرابع- يتعلق بمناقشة الإمام احمد بن حنبل للجهمية، في إنكارهم علو الله تعالى و زعمهم أنه في كل مكان، فذكر أنه يُقال للجهمي: أليس كان الله و لا شيء معه؟، فيقول: نعم، فيُقال له: عندما خلق الله تعالى الكون، خلقه في نفسه، أم خارجا عنه؟، فليس أمامه إلا ثلاثة أقاويل، أولها إنه يزعم أنه تعالى خلق خلقه في نفسه، فيكون قد كفر، لأنه زعم أن الجن و الإنس و الشياطين في نفسه. و ثانيها إنه يقول: خلقهم خارجا عن ذاته ثم دخل فيهم، فيكون قد كفر أيضا، لأنه ادعى أنه تعالى دخل في كل مكان وحش و قذر. و ثالثها إنه يقول: خلقهم خارجا عن نفسه و لم يدخل فيهم، فيكون قد خرج عن قوله كلية، و قال برأي أهل السنة لأن ذلك هو قولهم [3] .
و أخيرا - رابعا - إن قول الرجل بأن واصلا اتخذ العقل مصدرا للمعرفة إلى جانب الكتاب و السنة و الإجماع. فإن هذا الأمر سبق أن توسعنا فيه و بينا حقيقة موقف المعتزلة منه في الفصل الثالث، فلا نعيده هنا. لكني أقول باختصار: إن حقيقة موقف المعتزلة ليس أنهم اتخذوا العقل مصدرا للمعرفة، ثم الشرع، و إنما قدموا آراءهم و أهواءهم و ظنونهم على العقل و الشرع معا، و اتخذوها مصدرا لمذهبهم من جهة، و تقدموا بها على خالقهم، و جعلوا دينه تبعا لأهوائهم و آرائهم من جهة ثانية، و قدموها على العقل الصريح و استخدموه وسيلة برروا به
(1) نفس المصدر، ج 2 ص: 163.
(2) نفسه، ج 2 ص: 163.
(3) ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 97.