انحرافهم عن العقل و الشرع من جهة ثالثة. و الشاهد القاطع على هذا أنه سبق أن ناقشنا مذهب المعتزلة و بينا بالأدلة القاطعة أن معظم أصولهم غير صحيحة. فلو كان واصل و أصحابه أقاموا مذهبهم على العقل الصريح و الشرع الصحيح، ما خالفوهما، و ما كانت معظم أصولهم غير صحيحة!!. فلا يصح أبدا وصف المعتزلة بالعقلانية و مدحهم بها، فهذا لا يستحقونه و كذب و تحريف للتاريخ، و الجانب الصحيح القليل من فكرهم لا يُؤهلهم بأن يُوصفوا بالعقلانية، لأن انحرافهم عن العقل و الشرع كان انحرافا منهجيا أساسيا، منعهم من أن تكون العقلانية أصل مذهبهم، و إنما هي من هوامشه.
و الموقف الخامس عشر يتضمن قولين لباحثيّن معاصريّن: الأول هو لسليمان الشواشي يقول فيه: (( ومن ثم فان واصلا وسائر المعتزلة ليسوا من النفاة، و إنما يقولون بالعينية في الصفات، أي أن المولى يتصف بصفات ايجابية، لكنها ليست زائدة عن الذات، بل هي عين الذات بيد أن الخصوم كانوا كلفين بتحريف مقالة المعتزلة بحيث قولوهم مالم يقولوا ... ) ) [1] .
و الثاني هو علي فهمي خشيم، قال: (( و على كل حال فانه يحلو للكثير من خصوم المعتزلة أن يطلقوا عليهم اسم «المعطلة» على أساس أنهم يعطلون صفات الباري أو يجعلونها سلبية، تنفيرا للناس منهم و تبغيضا لهم في مذهبهم، و هذا ناتج عن فهم خاطئ - بقصد أو بغير قصد- لمذهب المعتزلة: فان هدف المعتزلة لم يكن التعطيل أو السلب، و انما هو تنزيه للباري عن أن يشاركه أي شيء - مهما كان معنويا - في أزليته. قال المعتزلة: إن لله صفات - على اختلاف في التعبير عن العلاقة بين ذاته و بينها - وردوها جميعا إلى صفتين، و هما كونه عالما و قادرا ) ) [2] .
و أقول: إن كلام الرجلين غير صحيح، و قد سبق أن توسعنا في موقف المعتزلة من الصفات الإلهية في الفصل الأول، و بينا بالأدلة القاطعة أن هؤلاء نفوا الصفات الإلهية بطرق مختلفة استخدموا في بعضها التلبيس و التغليط و التلاعب بالألفاظ. فكانوا يتظاهرون بإثبات بعض
(1) سليمان الشواشي: واصل بن عطاء و آراؤه الكلامية، ص: 160.
(2) علي فهمي خشيم: الجبئيان: أبو علي، و أبو هاشم ... ص: 98، 99.