فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 218

الصفات، ثم ينفونها من جهة الحقيقة و المعنى و يُثبتونها كأسماء جوفاء. فهذا هو حقيقة موقف المعتزلة من الصفات، و يبدو أنه هو الذي جعل الباحثيّن يقولان ما نقلناه عنهما.

و الموقف السادس عشر مضمونه أن القاضي عبد الجبار ذكر أنه لا يصح الطعن في المتكلمين و يقصد بهم أساسا المعتزلة، لأن علمهم هو أشرف العلوم، و لأن موضوعه الله تعالى و ما يختص به. و قد أولى القرآن الكريم هذا الموضوع اهتماما كبيرا جدا [1] .

و أقول: إن الرجل و أمثاله مغالطون و محرفون، و متناقضون في هذه القضية. لأن الذي يُعظم التوحيد حقا و فعلا عليه أن يخضع لخالقه و يُطيعه في كل ما أمر، ولا يتقدم عليه بآرائه و أهوائه و ظنونه، و لا يتسلط على كتابه بالتحريف و التلاعب و الإغفال و الانتقاء كما فعل المعتزلة. فأين هذا التعظيم المزعوم لله تعالى؟؟، و أين الالتزام بشرعه؟؟!.

و التوحيد الممدوح هو التوحيد الشرعي القائم على توحيد الربوبية و الألوهية معا، و فق ما نص عليه الوحي الإلهي القائم على الإخلاص و العبودية التامة لله تعالى: اعتقادا و ممارسة، و ليس هو التوحيد الذي اخترعه المعتزلة بآرائهم و أهوائهم و ظنونهم، ثم قدموها على الله و رسوله، و أقاموه أيضا على التأويل الفاسد للوحي، و على نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، و وصفه بما لا يليق به، و بما لم يصف به نفسه. فهذا هو توحيد المعتزلة المملوء بالأخطاء و الانحرافات، والمخالف للتوحيد الصحيح القائم على الوحي و العقل معا.

نعم إن علم التوحيد و معرفة الله هو أشرف العلوم و أوجبها على العباد بدليل الشرع و العقل. لكن كلام المعتزلة معظمه ليس علما صحيحا و لا نافعا، و ضرره أكثر من نفعه، فالغالب عليه أنه مجموعة مغالطات و تحريفات، و مخالفات و تناقضات. و قد سبق أن توسعنا في مناقشة توحيد المعتزلة و بينا تهافت و بطلان معظم أصوله بأدلة الشرع و العقل معا، و بينا أنه كان حربا عليهما لا معهما في أكثر أصوله. و عليه فإن التوحيد الذي جاء به الشرع و أمر به ليس هو توحيد المعتزلة الذي ليس

(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت