فيه من التوحيد الصحيح إلا القليل. لهذا يجب ذم المعتزلة و أمثالهم كأصل، ثم مدحهم على الصواب القليل الذي عندهم كاستثناء لا كأصل.
و الموقف السابع عشر يتعلق برأي للشيخ جمال الدين القاسمي أثنى فيه على الجهمية و المعتزلة بثناء جُزافي، و لا يصدق عليهم، فقال: (( كثر ما يمر بقارئ التفاسير وشروح السنة ومؤلفات أصول الدين والفقه ومطولات التاريخ وكتب المقالات، ذِكْر الجهمية والمعتزلة؛ ذلك لأنهما كانتا أول من ظهر من الفرق الإسلامية في صدر حضارة الإسلام بقواعد الأصول، والعمل على الجمع بين المنقول والمعقول، وفتح لأولي العلم باب النظر والتأويلات ) ) [1] .
و أقول: قوله هذا غير صحيح في معظمه، و يُثير الدهشة و الاستغراب. لأنه سبق أن بينا أن المعتزلة [2] كانوا حربا على الشرع و العقل معا، و هم إنما فتحوا باب الجهل و التأويل الفاسد أكثر مما فتحوا باب العلم بفارق كبير جدا.
و ليس صحيحا أن المعتزلة أول من ظهر من الفرق بقواعد الأصول و الجمع بين المنقول و المعقول. و إنما الصحيح هو أن قواعد الأصول المتعلقة بأصول الدين و فروعه هي موجودة في الشرع نفسه، و كانت معروفة لدى علماء الصحابة و التابعين و ممارسين لها أيضا [3] . و من جهة أخرى فإن الشرع حذّر من الأصول الفاسدة و إتباعها، منها تقديم الآراء و الأهواء على الله و رسوله، لقوله سبحانه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام 153 - ،و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الحجرات 1 - . و منها التحذير من التأويل الفاسد لقوله سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ} آل عمران 7 - .
(1) جمال الدين القاسمي: تاريخ الجهمية و المعتزلة، ط 3، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985، ص: 3 - 4.
(2) و معهم الجهمية، لأن الجهمية أكثر ضلالا من المعتزلة، و هما وجهان لعملة واحدة هي التعطيل.
(3) عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، قصر الكتاب، البليدة، الجزائر، ص: 46 و ما بعدها، 68 و ما بعدها، 74 و ما بعدها