فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 218

و قال أيضا: (( و يقال لهم: القرآن غير الله، أو هو الله، أو بعضه؟ فإن قالوا: غيره. قلنا: فإثبات غيره قديمًا لا يجوز؛ لأن فيه إثبات ثاني مع الله. وإن قالوا: القرآن هو الله. قلنا: باطل؛ لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال القرآن هو الخالق والرازق وهو المعبود، وأنه إله وأنه يتلى، والقديم سبحانه لا تصح عليه التلاوة. فإن قال: هو بعضه. قلنا: فيلزمكم جميع ما ألزمناكم لو قلتم أنه هو الله، ويلزمكم أيضًا أن يكون تعالى ذو أبعاض. ويقال لهم: أليس القرآن عربيًا وسورًا وآيات بعضها قبل بعض، وفيه ناسخ ومنسوخ، ومجمل ومبين، وعموم وخصوص، وحروف منظومة، وكلام فاختص القرآن بهذه الصفات، كل ذلك يستحيل على القديم، والقديم عالمٌ قادرٌ حيٌ سميعٌ بصيرٌ فاعلٌ باري لا مثل له، وهذه الصفات تستحيل على القرآن، فلو لم يدلّ هذا على الغيرية لما كان في الدنيا شيئين غيرين. فإن قالوا: لا هو هو ولا غيره ولا بعضه. قلنا: هذا لا يعقل، مذكوران معلومان لا يكون أحدهما هو الآخر ولا غيره ولا بعضه هذا لا يتصور، وبعد فقد ناقضتم إذا قلتم: لا هو هو أثبتم الغيرية، فلما قلتم: ولا غيره ناقضتم الأول. ويقال: أليس قال تعالى لموسى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه:12] ، و {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} [طه:24] ، فمن المخاطب به لم يزل وليس ثمّ موسى ولا فرعون ولا نعلين؟ وهل هذا إلا غاية النقص. ويقال لهم: كيف قال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} [الشعراء:105] وأمثاله وبعد لم يخلقوا ولم يكونوا ولم يستفد به أحد شيئًا. ويقال لهم: أليس قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} ، [يوسف:2] ، و {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [فصلت:3] ، وقال: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج:22] ، وقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر:9] ، {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} [الإسراء:106] ، وكل ذلك لا يجوز وصف القديم به ويدلّ على حدوثه. ويقال: أليس القرآن من جنس كلامنا أم لا؟ فإن قالوا: لا، فما الدليل على أنه متكلمٌ وإنما يعلم في الشاهد أنه متكلّم إذا تكلم بجنس كلامنا وأنه بلغة العرب، فإما أن يقولوا: ما نتلوه ليس بكلام الله فيخرجوا من الملة، أو يقولوا: إنه كلامه فكيف يكون قديمًا؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يكون جسمًا قديمًا وإن كانت الأجسام محدَثة. ويقال لهم: أليس هو تعالى قادر على أن يتكلم ويقول مثل القرآن أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد وصفتموه بالعجز، وكيف يصح وصف القديم بالعجز، ولأن الواحد منا يقدر على الكلام فكيف قلت: إنه تعالى لا يقدر عليه، وإن قال: نعم، أثبت الكلام مقدورًا، وذلك يوجب حدوثه ) ) [1] .

(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 111 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت